مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان

الجزء ٢٢ · صفحة ٧

في عمان، كما يربط هذه المنطقة بكل من المناطق الشرقية (جعلان وجوارها) والمناطق الشمالية. (23)

1 - الطرق القديمة

في العصور القديمة كانت هناك العديد من الطرق القديمة المعروفة عند الجغرافيين والرحالة والباحثين، وذكروها في كتبهم ودراساتهم وأبحاثهم العديدة عندما زاروا عمان في فترات مختلفة أو سمعوا عنها من آخرين.

وكان سوق صحار المدينة العمانية المشهورة قبل الإسلام حيث تأتيها القوافل الكثيرة للتجارة و المعارف والأدب وغيرها بالإضافة إلى نشاطها التجاري البحري وقد ذكر الإدريسي بعض الطرق التي تعبر عليها القوافل العربية وغيرها إلى صحار، تلك المدينة التي قال عنها بأنها على ضفة الخليج وأنها من أقدم مدن عمان، وأكثرها أموالاً وبها الكثير من الخيرات سيما المنتوجات الزراعية وتكلم عن الفترة التي عاش فيها. (24)

كانت هناك طرق تجارية برية إلى جانب الطرق التجارية البحرية إلى مدينة النحاس (صحار) التي اشتهرت في العصور القديمة بصهر هذا المعدن الهام التي تستورده بعض الحضارات القديمة مثل بلاد ما بين النهرين وغيرها من الحضارات الأخرى.

وتقول بعض المصادر أن الاتصالات الخارجية مع الحضارات والشعوب القديمة، كانت قائمة بين عمان والمراكز الحضارية الأخرى وغالبية هذه الطرق كانت مسلطة نحو صحار أولاً ومن ثم تتجه نحو الخليج العربي وبلاد ما بين النهرين ومن ثم إلى بلاد الشام في موقع صحار في منطقة وسطية من الساحل العماني من منطقة الباطنة وكيف تصب الطرق الممتدة من الجبال نحو المدينة وغالبية المواقع في حقيقة الأمر شهدت بداية للتحضر أو المدنية. وهناك مؤشرات واضحة على أن غالبية هذه المواقع إما أنها كانت موانئ تجارية رئيسية موجودة على الساحل وإما انها كانت مدناً ومواقع زراعية مهمة لكن المهم في هذه الفترة، أو من مقومات هذه الفترة كانت مادة النحاس، وهكذا عرفت عمان أكثر ما عرفت في المصادر المكتوبة التي وردتنا من بلاد ما بين النهرين.» (25)

كانت حركة التنقل البرية بين مدن عمان مع بعضها البعض والمدن العربية المشهورة كالبصرة وصنعاء والحجاز والبحرين نشطة تجارياً، وكانت مدن صحار وظفار وصور وقلهات ومسقط بعد ذلك تعد من المدن العمانية التجارية التي اشتهرت بالتجارة والتبادل التجاري في حقب متعددة، وكانت لها طرق تجارية برية معروفة تنقل من وإليها البضائع والسلع من الدول التي تربطها طرق برية آمنة سواءً على السواحل أو الجبال أو الصحراء.

ومن الطرق البرية العمانية التي اشتهرت بنقل اللبان والبخور من ظفار إلى الحضارات الأخرى، تلك الشبكة من الطرق التي تمتد عبر الصحراء وترتبط بالعديد من الأقاليم في شبه الجزيرة العربية «كما تربط بين شبه الجزيرة العربية وبين منطقة غرب آسيا والهلال الخصيب بل انها تمتد إلى منطقة الشمال الإفريقي عبر سيناء أو صحراء مصر الشرقية وبذلك نسجت ظفار أول شبكة للتجارة البرية عرفها العالم القديم، وتأتي أهمية ظفار في تلك الشبكة البرية إلى إنتاجها لسلعة اللبان الاستراتيجية لسكان ومدنيات العالم القديم، حيث تغطي أشجار اللبان مساحة كبيرة من أرض ظفار. وكانت تلك الطرق البرية تستخدم البغال والحمير والخيل والجمال منذ العصور القديمة. كما ارتبطت ظفار بأسواق العرب القديمة مثل سوق الشحر المجاور لها وحضرموت وغيرها من الأسواق في شبه الجزيرة العربية مثل سوق صحار قبل الإسلام. (26)

كان اللبان العماني الذي تشتهر به محافظة ظفار منذ القديم له منافذ كثيرة للتصدير منها ما يتم تصديره عبر ميناء سمهرم البحري، وتذكر الباحثة «سنت دتشس «في كتابها [حيث وقف الزمن] أن التجارة «كانت تعتمد أساساً على الطرق البحرية حتى زمن زيارة سليمان بن داوود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، حيث بعد الزيارة استطاعت بلقيس ملكة سبأ السفر عبر الصحراء متجهة شمالاً مستخدمة طريقاً للقوافل التي سارت عليها الجمال لأول مرة في تاريخ جنوب شبه الجزيرة العربية. واستخدام الجمل في طريق القوافل البرية لم يكن مألوفاً قبل رحلة بلقيس، التي بها أكدت للجميع أن السفر بالجمال من شأنه أن يختصر المسافة. وذلك لأن القافلة أخذت تتخذ لنفسها مسارات في خطوط مستقيمة مختصرة المسافة والزمن، والفضل في هذا يرجع إلى أن الجمل بطبعه يستطيع السفر في الصحراء متحملاً العطش دون أن يلوي في طريقه إلى موارد الماء لأيام، ولذا فإن القافلة لا تتقيد بالسير من بئر ماء لآخر كما كان الحال قبل استخدام الجمال.

أخذت القوافل تمضي من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شمالها على الجانب الداخلي من الأنجاد الساحلية في غرب شبه الجزيرة العربية، وكان هذا الطريق مناسباً لتزويد القوافل بالمؤن، وملائماً من حيث المناخ، ومن هنا نرى أن لبان ظفار كان ينقل عن طريق المحيط الهندي إلى الهند وشرقي آسيا وإلى شرق أفريقيا، وعن طريق البحر الأحمر إلى مصر وعن طريق القوافل إلى غزة والشام. (27)

وتؤكد المصادر الكثيرة أن هذه السلعة الثمينة في العصور القديمة والوسيطة لها طرق برية عديدة، لكنها شاقة عندما كانت الحمير والبغال هي الوسيلة الوحيدة، لكن بعد ما تم استخدام الجمل كما يقول عبد القادر بن سالم الغساني بعد القرن الحادي عشر قبل الميلاد «أخذ طريق اللبان يعتمد عليه في تجارة البخور، ويعتبر استخدام الجمل في نقل البخور بمثابة ثورة في مجال النقل والتجارة في ذلك الوقت».

٢٣٠ / ٣٥٢