مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان

الجزء ٢٢ · صفحة ٨

وسارت تجارة اللبان عبر الصحراء لفترة 1500سنة، وكان هذا الاستمرار نتيجة لأن البديل لهذا الطريق هو السفر عبر البحر الاحمر الذي كانت تنمو فيه الحواجز المرجانية، حيث شكلت خطورة على المراكب، بالإضافة إلى التيارات الجارفة التي تجري فيه، وفوق كل هذه وتلك هنالك سفن القراصنة التي تجوبه من شاطىء لآخر، واضعين أيديهم «القراصنة» على بضائع القوارب التي تبحر فيه. كان طريق القوافل المار بعدن وحضرموت وجدة ثم الشام عن طريق شمال شبه الجزيرة العربية، ومن انطاكيا، كان منحنى إلى دول أوروبا رابطاً إياها بجنوب شبه الجزيرة العربية، وبالتالي موصلاً للبان إلى الغرب.» (28)

وفي العصور الوسيطة والحديثة اهتم العمانيون بالطرق البرية الآمنة من مخاطر البحر وفي فترات الكساد وسوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية، باعتبارها أقل تكلفة وميسورة خاصة التجارة البيئية بين عمان وبعض المراكز الحضارية العربية «حيث تكون القوافل البرية أكثر قدرة على توزيع السلع على أكبر قدر من المراكز الحضرية، وتصبح شبكة الخطوط البرية الداخلية الوسيلة الوحيدة للاتصال والنقل بين المدن والقرى الداخلية البعيدة عن السواحل والشطوط». (29)

وبعض القوافل العمانية القديمة المحملة باللبان من ظفار إلى البلدان الاخرى من خلال بعض الطرق البرية من صحراء الربع الخالي إلى حضرموت، ثم تمر بمعين، ثم تسير شمالا إلى نجران ومنها إلى خميس مشيط، ثم غربا إلى أبها او قد تتجه شرقا بيسام الحجاز والى مكة المكرمة أو ينبع أو المدينة المنورة، ومنها إلى البتراء وتدمر، أو إلى مدائن صالح (الحجر)، وددان (العلا حاليا). ومن البتراء قد تتفرع عن طريق فينيقيا شمالا أو فلسطين وميناء غزة. أو قد تتجه إلى ايلات ثم إلى مصر. وقد تستغرق هذه الرحلات من تمنع (بيحان) إلى غزة 65 يوما بالجمال. (30)

كانت الطرق البرية متعددة المسارات وأغلبها كانت تقع على مسارات الأودية والسواحل والصحارى والجبال، في جنوب عمان ومن هذه الطرق الرئيسية الهامة في عمان وهناك العديد من الطرق الفرعية الداخلية تستخدم على نطاق محدود داخلياً، لكنها تلعب دوراً هاماً في ربط مناطق عمان بعضها ببعض، ومع بقية المناطق المجاورة تجارياً واجتماعياً على الرغم من وعورة بعضها وصعوبة مساراتها للإنسان العماني، لكن هذا هو التحدي الجغرافي الذي قبله العمانيون، وعملوا على جعله سهلاً وميسوراً.

ثالثا الانفتاح على الآخر

انفتح العمانيون عبر تاريخهم الحضاري الإنساني على الآخر، واعتبروا أن قيم الحوار في الحوار والتفاهم مع الآخر ضرورة إنسانية يجب انتهاجها واعتبارها صيغة حضارية للتفاعل والتعاون والتواصل مع الحضارات والأمم الأخرى، بهدف إيجاد الطرق والوسائل لبناء حضاري وتبادل تجاري قائم على المشتركات الإنسانية والرغبة الصادقة في إثراء الخبرات المتبادلة من العبر والاستفادة منها، وفي إقامة علاقة متكافئة ندية.

ومن هذه المنطلقات اهتم العمانيون بمسألة الانفتاح على الآخر والتفاهم والتعاون معه، مع الاحتفاظ بالخصوصيات والهويات الذاتية والاعتزاز بها، مما أسهم في توفير مناخ ملائم للتبادل النافع في مجال الاقتصاد والثقافة والمعارف الإنسانية الأخرى.

عندما يرجع المرء إلى التراث الكبير لعمان والعمانيين يجد أن أغلب الباحثين والرحالة والمستشرقين من الغرب والأجانب الذي كتبوا عن عمان والعمانيين تطرقوا إلى هذه المسألة، وناقشوا قضية الانفتاح على الآخر عندهم، وكيف أنهم تفاعلوا وتواصلوا مع شعوب وأمم كبيرة في الجانب الاقتصادي والمعرفي والإنساني بصورة تبعث على الاهتمام والمراجعة في مضامين هذا الانفتاح والتوصل مع الآخر، وإقامة علاقة معه.

قد يقول البعض أن قدر عمان أن تكون جغرافيتها وموقعها الهام على طرق التجارة العالمية والموقع الاستراتيجي في العصر الحديث السبب في هذا الانفتاح والتواصل مع الآخر، لكن هذا القول ليس دقيقاً بالمرة إذا ما جئنا إلى أولويات هذا الانفتاح ودوره في هذه العلاقة بما تتضمنه من أساليب وقيم حضارية وتواصل، لأن التواصل، والانفتاح قد لا تستسيغه الكثير من الشعوب لاعتبارات كثيرة، ومع ذلك فإن العمانيين سعوا إلى الآخر في بلاده، وفي أقاصي الدنيا وتبادلوا معه المعارف والتجارة وعرضوا عليه قيمهم وثقافتهم ودينهم، وكان هذا الانفتاح والحوار سبباً في انتشار الدين الإسلامي في العديد من دول العالم، لا سيما في آسيا وأفريقيا.

وفي العصور القديمة تذكر العديد من المصادر أن مدينة صحار كانت مدينة مفتوحة تجارياً بالمعنى الحديث للكلمة على شعوب وأديان كثيرة كانت تعمل وتتاجر في صحار في شتى المجالات والتبادلات التجارية على وجه الخصوص، «وأصبحت صحار أشبه ببورصة عالمية للاستثمار فقد هاجرت إليها رؤوس الأموال من موانئ الخليج الأخرى لظروف أمنية وسياسية واستقرت بصحار، واستقر بها التجار من كل مكان بحيث أصبحت المركز التجاري الهام في العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري، حتى اعتقد البعض بوجود دار لسك العملة في صحار لتوفر السيولة النقدية بها. وقد وردت بالمصادر روايات تدل على ذلك ومن تلك الروايات ما روي من أن تاجراً من أهل صحار ورد من الصين في مركب لنفسه وجميع ما فيه له، وأن قيمة العشور المستحقة على سلع المركب بلغت ألف ألف درهم ونيف». (31)

٢٣١ / ٣٥٢