العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان
الجزء ٢٢ · صفحة ٩ولم يتوقف العمانيون عند هذا الحد، بل أن صحار المدينة الشهيرة عالمياً في فترة ما قبل الإسلام وبعده، كانت محط أنظار التجار والمستثمرين من شعوب وحضارات كثيرة عندما بلغت عنها السمعة بالنسبة للنشاط التجاري، وتلك المكانة الكبيرة «لصحار في حركة المال والنقد العالمي في تلك الفترة تعود إلى إمكانيات المنطقة بالإضافة إلى نشاط تجارها الذين ضرب بهم المثل في الوصول إلى أماكن بعيدة نائية والتعامل مع مختلف الأجناس والمستويات، وقد اكتسبوا بنشاطاتهم ثقة الحكام والشعوب كما روي في حكايات التاجر محمد العماني ويزيد العماني.
وتبوأت صحار بذلك مكانتها العالمية في حركة التجارة والملاحة العالمية الدولية. واستقر بها تجار من أجناس مختلفة ومناطق متباينة، فتنوعت بها السلع وظهرت الأسواق المتخصصة بالمدينة، واتسع ميناء صحار ليمتد على طول أربعة أميال على الساحل. واتسعت مساحة المدينة لتصبح أضعاف مساحة صحار الحالية. وأصبح بها مركز التجارة العالمية فمنها يتجهز التجار المتجهون إلى أية منطقة، فصارت دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن». (32)
ومن المدن العالمية التي كان لها اتصال وتفاعل مع الحضارات القديمة مدينة ظفار أو أوفير عند بعض الحضارات حيث كانت تصدر اللبان تلك السلعة العمانية الرائجة في العصور القديمة وما بعدها، ويذكر الرحالة الإيطالي ماركو بولو أن ظفار «كانت مكاناً هاما لتصدير سلعة من أهم السلع العمانية في العصور الوسطى هي الخيل. وقد كان للتجارة بالخيول العمانية والفارسية شرقا دور عظيم في خلق وحدة الجماعة التجارية في المحيط الهندي. وواضح أيضا أن قيام ظفار أدى إلى تجديد تجارة اللبان القديمة العهد. وكان لهذا المنتوج شأن عظيم عند الصينيين الذي بدأت معرفتهم ببلاد العرب تتزايد. وقد كانت مرباط بين أوائل المرافئ العربية التي تمر بها المراكب القادمة رأسا من الصين والهند وهي لذلك من أكثرها ذكرا وأوسعها وصفا في كتاب «شو – فان- شى أو» وصف الشعوب العربية وهو كتاب عن التجارة الصينية العربية في القرنين الثاني والثالث عشر للميلاد كتبه شاو جو – كوا. مفتش التجارة الأجنبية في فوركيان حوالي 650هـ/ 1252م. وكان الصينيون على معرفة ببلاد العرب تكاد تكون كاملة وهو ما يمكن الاستدلال عليه من هذا الخليط الساحر من وصف دقيق إلى إقحام خيالي للفيلة في الوصف لإنتاج اللبان الظفاري.» (32).
ويشير الباحث الصيني تشانغ زون يان إلى الاتصالات والتواصل الحضاري بين عمان والصين في العصور القديمة والوسيطة بأنها قائمة ونشطة في الجوانب التجارية والمعرفية، وتبادل السلع والخبرات «وحسب السجل العماني ففي القرن الثامن الميلادي قام رجل عماني يدعى أبوعبيدة عبد الله بن القاسم بأول رحلة بحرية إلى قوانتشوا في الصين وربما أن هذه الرحلة إلى الصين هي أقدم وأبكر سجل موجود من جانب العرب. وهذه الرحلة تكاد تسبق سجل رحلة سليمان إلى الصين بقرن واحد وسجل رحلة سليمان تم تأليفه في منتصف القرن التاسع الميلادي. ويعتقد أن هذا الرجل من مدينة صحار.
كما أن العالم الجغرافي الصيني المشهور في عهد أسرة تانغ قد ألف كتاباً بعنوان «الطرق البحرية من قواننتشو إلى الدول الأجنبية» بعد أن جمع المعلومات المتوفرة من العرب الذي جاؤوا إلى الصين. وسجل بالتفصيل الطرق البحرية من قوانتشو إلى الدول العربية المختلفة.
ثم تبحر السفن من هذه المنطقة إلى الشرق بعد مرورها بكثير من الدول وبعد أن تمضي 36 أو 37 يوماً يمكنها الوصول إلى دولة موي (وهذه الدولة تسمى ووشيون في عهد أسرة سون الصينية) وأن ما يطلق عليه اسم موى أو ووشيون كلاهما يعبر عن اللفظة المقابلة MAZUN وهي صحار الآن في عمان.
ولم تكن عمان في ذلك الوقت مركزاً مهماً للسلع المتبادلة بين الشرق والغرب لشبه الجزيرة العربية فحسب، بل كانت همزة الوصل للمواصلات للسفن التي لا بد أن تمر بها بين الشرق والغرب. وعندما يتحدث سليمان في سجل رحلته عن الممر المائي في منطقة الخليج فإنه يذكر أكثر من مرة مدينة مسقط. وفيما بعد جاء حسن العالم التاريخي العربي الذي أضاف معلومات جديدة إلى سجل رحلة سليمان إلى الصين اعتبر عمان وميناء سيراف الذي يقع على رأس الخليج هما الميناءان المهمان على نفس المستوى في مجال القيام بالتجارة مع الصين. (34)
كما ازدهرت المدن الصينية الجنوبية من تجارة اللبان العماني في ظفار، وكان ميناءا مرباط وسمهرم نشطين بهذه التجارة الرائجة في الصين، كما أن هناك اتصالات ودية «عمانية صينية» كانت قد نشأت وتطورت إلى علاقات اقتصادية بفضل تجارة البخور الرائجة آنذاك، وكانت صلة الصين بظفار معروفة حتى على الصعيد الشعبي، لدرجة أن الناس إلى عهد قريب كانت تلقب صلالة (بصلالة الصين)، وهذا دليل على عمق ومتانة العلاقات بين الشعبين العماني والصيني والتي هي بطبيعة الحال انعكاس منطقي للعلاقات الرسمية بين الدولتين ولكن ما نحن يصدده كيف نشأت هذه العلاقة إلى هذه الدرجة من المتانة ولم يأت على ذكرها أحد من المؤرخين العرب أو الأجانب، سيما وأن ازدهار هذه العلاقة كان في القرن الخامس عشر الميلادي». (35)
ويرى الباحث د/ محمد قرقش أن التجار العمانيين من ظفار كانت لهم علاقة تجارية كبيرة مع منطقة المحيط الهندي، وأسهموا في نشر الإسلام في هذه المنطقة إلى جانب نشر الثقافة العربية والفنون والآداب، والتواصل الحضاري مع هذه الشعوب والمدنيات في سواحل المحيط الهندي. (36)
ومن المدن العمانية التي اشتهرت بالانفتاح على الآخر والتواصل مع الحضارات والشعوب الأخرى مدينة