مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان

الجزء ٢٢ · صفحة ١٠

صور، وكان ميناء صور أحد الموانئ العمانية التي برزت في عصور ما قبل الإسلام وبعده، وشكلّت «منطقة صور بما فيها رأس الحد حلقة الاتصال الحضارية بين مناطق العالم القديم والوسيط، حيث تكالبت قوى العالم القديم على سلع ومنتجات المحيط الهندي، كما تنوعت حضارات ومدنيات المنطقة في مستوياتها الحضارية. الأمر الذي أدى إلى ضرورة التبادل بينها بصورة مستمرة، عبر سواحل صور.

كما شكلت سلع المحيط الهندي أهمية قصوى بين سكان العالم القديم، وفي العصور الإسلامية أيضاً، نظراً لأهميتها في المجالات الحياتية، وفي الجوانب العقائدية، في العصر القديم، خاصة سلع البخور واللبان والتوابل، التي لعبت دوراً هاماً في حياة سكان عالم العصور القديمة والوسطى، وكانت تلك السلع الاستراتيجية تتركز على جانبي مينائين: صور على سواحل الهند أو سواحل شرقي أفريقية. ولذلك فقد برع سكان صور في دورهم كوسيط بين مناطق الإنتاج على سواحل المحيط الهندي، وبين مناطق الاستهلاك والطلب في بلدان الشرق الأدنى القديم والبحر المتوسط. (37)

ولذلك فإن هذا التفاعل والاهتمام من جانب الشعوب والحضارات الأخرى بعمان والعمانيين، والتواصل معهم، والانفتاح والتحاور من جانب العمانيين مع الآخر والتعاون معه، في الجوانب الاقتصادية وغيرها بطرح مسألة جهود العمانيين وإرساء القيم الأساسية في الحوار والتعاون من «خلال معاملاتهم التجارية وعلاقاتهم الإنسانية مع السكان والتي اتسمت بقدر كبير من المرونة والتسامح والصدق مما ساهم في تقوية المناخ الحضاري المؤثر وأكسب عمان سمعة حضارية كبيرة». (38)

ونتيجة هذا التفاعل والتواصل مع الآخر والتعاون معه في شتى المجالات والمصالح، فإن العمانيين استوطنوا في العديد من الأمصار في العالم في آسيا وأفريقيا وأثروا وتأثروا مع شعوب هذه الدول، وأصبحوا جزءاً من نسيج تلك المجتمعات مع الاحتفاظ بموروثاتهم وثقافتهم، بل استطاعوا بفضل تسامحهم وأخلاقهم أن يغرسوا قيمهم وثقافتهم في تلك المناطق، ولعبوا دوراً فكرياً وثقافياً كبيراً لا نستطيع في هذا الفصل الإحاطة بكل تلك الأدوار العظيمة خاصة في شرق أفريقيا، حيث الإسهام العماني الرائع في المجالات الثقافية والفكرية والسياسية.

وتذكر بعض المراجع أن التجار العمانيين كانوا يقيمون في بعض المناطق التي يزورونها، وأدى هذا إلى انتشار اللغة العربية ودخول بعض السكان في دين الإسلام، وقد تكونت العديد من الجاليات والمستوطنات والمراكز التجارية العمانية والعربية في بلاد «الملايو وفي غيرها من جزر الأرخبيل. فيذكر القلقشندي أن فيها مدينة عامرة يسكنها المسلمون وغيرهم والمقصود بطبيعة الحال من كلمة غيرهم هم أهل البلاد الأصليين الذين لم يعتنقوا الإسلام بعد مما يعني أن الإسلام لم يكن قد غمر كل هذه المجتمعات في ذلك الحين.

ان التاريخ الدقيق لدخول الإسلام في الملايو وأرخبيله أمر غير معروف على وجه التحقيق، ولكن من المحتمل أن تجار عمان الذين كانوا يقومون بمعظم النشاط الملاحي في تلك المناطق كما سبق القول حملوه هم وغيرهم من تجار العرب إلى هذه البلاد في القرون الأولى للهجرة حيث كانوا يزاولون مع بلاد الشرق الأقصى تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة». (39)

وفي العصور الحديثة يذكر العديد من الرحالة والباحثين الغربيين في مسقط العاصمة العمانية الحالية كانت فاعلة ومنفتحة على شعوب كثيرة. ويذكر الرحالة «جيمس ريموند ولسند «أنه وجد عند زيارته مدينة مسقط في القرن الثامن عشر منفتحة على العديد من الشعوب، وأن الانفتاح على الآخر سمة بارزة في العمانيين، وهذه المدينة الجميلة تتحاور مع مدن وعواصم عديدة في القارات في العالم، مما أكسبها حراكاً تجارياً مهماً منذ القدم. (40)

وهكذا فإن العمانيين عرفوا ولا يزالون بانفتاحهم على الآخر والتواصل معه، من المنطلق الإنساني، والتعاون في المصالح والمنافع التي تعود بالفائدة على الطرفين، وهذا ما تجلت به النهضة المباركة التي قادها جلالة السلطان قابوس في بناء الجسور مع الآخر، وبهذه النظرة كان الفكر السياسي لجلالة السلطان المعظم يهتم بقضية الحوار وتفعيله بين مختلف الأجناس والأعراق والشعوب، ومن خلال فهم العلاقات الدولية والمصالح المشتركة لدول العالم المختلفة.

يقول جلالته المفدى في خطابه إلى الاجتماع السنوي للمنبر العالمي في لاهاي 1997: «لقد كانت بلادنا عمان في ما مضى وما زالت تعتز بتقاليدها وتاريخها، ومع أن المجتمع العماني يعيش اليوم متغيرات عصره، إلا أنه لم يفرط في هويته وتراثه، بل استطاع أن يجمع بين الطيب من تقاليده والطيب من واقع حاضره والحمد لله» مضيفاً جلالته في فقرة أخرى. «بل أننا نؤكد أن ديننا في جوهره يدعو إلى ذلك دون المساس بالأساسيات العقيدية، وهو يدعو إلى مواكبة مستجدات كل عصر من الاجتهاد كلما توفرت شروطه».

وهذه نظرة ثاقبة من جلالته تجاه الانفتاح على الآخر، يقوم على مبدأ التفاهم والتفاعل والتسامح الثقافي والرغبة المشتركة في بلورة تفاهم في قضايا إنسانية متشابكة، ويسهم في تقارب يؤدي إلى تنمية العلاقات الدولية بصورة دائمة ومتوازنة بعيداً عن هواجس الصراع ومقولات الصدام معتمداً على النظرة المنصفة والعادلة في قضايا الحوار والنقاش والتفاعل الإنساني، في ما يتم الاختلاف عليه في وقت تتطلع إليه البشرية في رغبة ملحة لتعاون يسوده السلام والاستقرار والعدل. (41)

العمانيون وقيم الحوار مع الآخر

٢٣٣ / ٣٥٢