مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... الآراء العقدية عند الإباضية الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان للحسني غابري

الجزء ٢٥ · صفحة ٤

يأوي إلى منزله فعليه الجمعة» (29) فكلّ من هو قادر على إدراكها فهي واجبة عليه ولذلك كلّه فإنّ ما ثبت على السابقين من جميع أئمّة المسلمين ومنهم أئمة الإباضية أنّهم أكّدوا على ضرورة القيام بها بل إنّهم لم يجوّزوا عدم القيام بها إلاّ بعذر شرعي. والملاحظ أنّ ابن الرحيل قد أورد في سياق حديثه عن صلاة الجمعة موقفا لم يفصّل فيه الحديث كثيرا وهو المتعلّق بالأعطيات مع أئمّة الجور التي يجب أن تؤخذ حسب رأيه لأنّها من حقوق المسلمين جميعا وفي ذلك بدا مخالفا لخصمه الذي يورد موقفه في ما يلي « … وكذلك أيضا قال في العطاء إنّ من أخذه فجائز له و من تنزّه فهو أفضل، فهذا خلاف منه لقول المسلمين قبله وترك لما مضى عليه أوائل المسلمين وسلفهم … » (30).

وأمّا بخصوص قسم الإنسانيات فيمكن الانطلاق فيه من قول ابن الرحيل متوجّها إلى أهل عمان «أوصيكم بتقوى الله العظيم فإنّها وصيّته إلى جميع خلقه، بها أمرهم وعليها نبيّهم، وبالتّقوى نجا النّاجون وفاز الفائزون، والتّقوى من الله بمكان، فآثروها على ما سواها واعتصموا بها فإنّها ليس بين التّقوى وبين الكفر منزلة» (31). وهو ما يؤكد أن لا منزلة بين الكفر والإيمان إذ هما ضدّان كالأضداد كلّها بمعنى أن لا إمكانية لوجود وسط بينهما وهو ما أقرّته الأمّة وأجمعت عليه معتبرة من ليس بمؤمن فهو كافر مستندة في ذلك إلى القرآن الكريم من ذلك قوله «هُوَ الذِي خَلَقَكُمِ فَمِنْكُمْ كَافِرُُ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنُُ» (32). ومن هذا المنطلق كانت دعوة صاحب الرّسالة إلى المرسل إليه لزوم التّقوى باعتبارها الفاصل بين الإنسان والكفر إذ من لم يكن تقيّا كان كافرا بل إنّ الثّواب لا يمكن أن يرتبط إلاّ بها. ومن ثمّ فإنّ التّقوى لا يمكن أن ترتبط بغير طاعة الله فيما أمر به ونهى عنه فلا تثبت لأحد إلاّ إذا التزم بأوامر الله ونواهيه أمّا الخارجون عن هذه الصفة فهم المضيّعون للطّاعة إذ لا تقوى ولا إيمان دون طاعة. فمن لم يلتزم أوامر الله ونواهيه خرج من دائرة التّقوى فحلّت به من الله البراءة واستحقّ العقوبة. فهذه المنزلة خاصّة بيّنة لا يمكن الاختلاف فيها بل إن تبيّنها يساعد على تبيّن المنزلة المقابلة وهي المرتبطة بالإقبال على ما نهى عنه الله تعالى والانتهاء على ما أمر. ولتوضيح هذه المسألة يعرض صاحب السّيرة مجموعة من الأمثلة أهمّها ما ورد في شأن المرأة التي شربت النبيذ وسقته الشباب وجرى بينهم الفحش دون بلوغ موضع الزنا مخافة الحدّ وفضيحة الولدان» (33) ليبيّن أنّ مثل هذه المعاصي لا يمكن أن تلزم أصحابها بغير الخروج من التّقوى فإن وافقه في ذلك خصمه فقد كان على صواب أمّا إذا خالفه إمّا بعدم إخراجهم من دائرة التّقوى أو بالشكّ في الأمر وهو ما يبدو الإيحاء به فقد كان على ضلال ممّا يؤكد أنّه لا خلاف في الإيمان وما يناقضه بل لاشك فيهما فكلّ من خرج من دائرة التّقوى عملا وتركا دخل في دائرة الكفر. ولذلك يعلّق على حكم هارون بشأن المثال المذكور سابقا بقوله «وإن زعم أنّه سلك متحيّر لا يدري لعلّ اسم التّقوى لهم ثابت فإنّهم متّقون عند الله فهذا الشك والعمى» (34). فكلّ معصية أصابها العبد ممّا نهى الله عنه وأوجب فيها عذابا في الآخرة ونكالا في الدّنيا سواء كانت «من الكبائر أو ما يشبه الكبائر أو يقاربها التي تنزل منزلتها» (35) تخرج الإنسان من الإيمان إن لم يتب عنها ويتراجع بمعنى أنه لا يشترط في الكفر أن يرتبط بالكبائر التي «توجب الحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة» (36) ذلك أن الكفر نوعان كما يجمع أغلب علماء هذه الفرقة كفر مرتبط بالمشركين ويسمّى كفر الشرك أو الجحود وكفر مرتبط بغير المشركين من المقرّين المقبلين على المعاصي ومنها الكبائر وترتبط بهؤلاء تسميات عديدة منها كفر النعمة وكفر دون كفر وكفر فوق كفر وكفر النفاق وكفر الأعمال.

أمّا القضيّة الثّانية ضمن هذا القسم فهي الشّرك والنّفاق التي يمكن الانطلاق فيها من بديهة عند الإباضية تبدو تجليّاتها واضحة في سيرة محبوب بن الرحيل مفادها القول بمنزلة النّفاق بين منزلة الإيمان والشرك دون القول بوجود منزلة بين الإيمان والكفر (37). وانطلاقا من ذلك فإنّ الشّرك منزلة لا يمكن أن يحلّ بها إلاّ من لم يقرّ بالتّوحيد وبطريقة مغايرة لا يمكن للمقرّ بالتّوحيد أن ينزل هذه المنزلة فالذين «يصلّون إلى البيت الحرام ويحجّون إليه ويعتمرون ويصومون شهر رمضان ويشهدون جميعا بالجملة التي دعا إليها النّبي صلّى الله عليه وسلّم من الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكانوا بها عنده مقرّين خارجين من الشّرك براء من التّكذيب والجحود والإنكار داخلين في جملة المقرّين» (38). فالتّوحيد أو «جملة التوحيد» كما يسمّيها الإباضية هي المدخل الأوّل والأساسي لمنزلة الإيمان التي لا يمكن أن يغادرها إلاّ من أظهر عكس ذلك. وبهذا يبدو الجمع بين الشّرك والتّوحيد بالنّسبة إلى الإباضية أمرا مرفوضا بل غير منهجي وغير معقول لما بينهما من تناقض وتضارب وهو ما يحسمه ابن الرّحيل بقول إنّ «جميع قولنا ممّن يقرّ بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله. والإقرار بجميع ما جاء من الله. أنّهم مقرّون وأنّهم بإقرارهم خارجون من الشّرك لأنّ الشّرك لا يكون إلاّ إنكارا وتكذيبا والتّوحيد إقرار وتوحيد» (39). واستنادا إلى ذلك يشير صاحب السّيرة إلى مجموعة من الذّنوب التي وإن اختلفت في درجتها فهي لا تنزل صاحبها منزلة الشّرك بل منزلة النّفاق فمن «قصّر في إقراره وركب محارم الله وتأوّل القرآن على غير تأويله وحرّفه على غير مواضعه صار بذلك منافقا كافرا بريئا من الإيمان وثوابه وبريئا من الشّرك وأحكامه» (40). وبناء على ما تقدّم يمكن القول إنّ صاحب السّيرة كما الإباضية عموما يستعملون كلمة النّفاق للدّلالة على المعاصي العملية لذلك فقد أطلقوها على من ارتكبها في أي زمان فسمّوا أصحابها منافقين أو كفّار نعمة واعتمدوا في ذلك على أدلّة كثيرة من الكتاب والسّنة كما يقول علي يحيى معمر في كتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية (41). فيذهبون إلى أنّ مفردات من نوع الظلم والفسوق والكفر والنفاق تحضر بمعنى واحد. فهذه

٢٤٦ / ٣٥٢