العدد ... الأصوات الروائية الجديدة في عمان لمنى بنت حبراس السليمية
الجزء ٢٦ · صفحة ٧بدا المشعوذ قادرا على تحقيق الشفاء، ذاك المشعوذ الذي يتكشف في الختام أنه غير قادر على جلب الشفاء لنفسه، في قالب سردي ينقصه الكثير من النضج.
شعراء روائيون:
شهد المشهد الروائي العماني - كغيره - ظاهرة الشاعر روائيا، فنشط عدد من الشعراء في الكتابة السردية، بدءا من سيف الرحبي - ومثله سماء عيسى، وزاهر الغافري، وصالح العامري (34) - إذ بدأ الرحبي سردياته بكتابة سيرته «منازل الخطوة الأولى» وانتهاء بيومياته (من الشرق إلى الغرب) في عام 2013، غير أن سرده لم يفرز رواية كما فعل شعراء آخرون، كـ:
19ــ محمد الحارثي:
الذي أصدر روايته «تنقيح المخطوطة» في العام 2013م، وهو عنوان بدا مستغربا وغير أدبي من شاعر، إذ يحيل إلى كتاب أقرب إلى المضمون العلمي منه إلى الرواية الأدبية.
وقد أظهرت «تنقيح المخطوطة» معرفة مؤلفها الدقيقة بالجيولوجيا والحفريات وعلوم تطور الكائنات، مستعرضا فيها خبرته ومعرفته العلمية الكبيرة، غير أنها بسبب علميتها هذه وجدناها رواية صعبة، وتحتاج من قارئها صبرا طويلا حتى يتمها، إذ بدت - على خلاف المتوقع من شاعر يكتب سردا - رواية جامدة بحكم المادة التي حوتها.
20ــ زهران القاسمي:
أما الشاعر زهران القاسمي، فقد أصدر روايتين في عامين متتاليين: جبل الشوع في عام 2013م، والقناص في عام 2014م، وقد بدا أنه استفاد من تجربته الروائية في «جبل الشارع» ليتجاوز كثيرا من هناتها في روايته الثانية «القناص» التي جعل فكرتها تدور حول مفهوم الحلم الذي يكون أجمل عندما نكون في الطريق إليه، ولكننا إذا ما بلغناه فإننا نفقد المعنى الذي من أجله نحيا. صور ذلك عبر رحلة بطل روايته في صيد «الوعل» الحيوان الجبلي الكبير. حلم أجداده الذي لم يحققوه، فحققه هو، ولكنه بعد الظفر به، يفقد الإحساس بمتعة الحياة.
وقد تميز القاسمي في الروايتين - والقناص تحديدا - بتصوير الطبيعة الجبلية على نحو دقيق، مقدما تفاصيل قلما يمسك عليها من لم تعش الطبيعة في روحه، مثلما عاش في أكنافها.
21ــ إبراهيم سعيد:
لم يكن إبراهيم سعيد ليتخلف عن ركب الكتابة السردية، فأصدر في عام 2014م روايته «الحمدي، الأعمى الشعري» التي تمزج بين النص السردي والنص الشعري معا، حتى التبس على القارئ جنسها الأدبي ما إذا كانت رواية أم شيئا قريبا منها - كما يقول الباحث حمود الشكيلي الذي كتب عنها قراءته بعنوان «كادت حياة الأعمى أن تكون رواية» (35) - وكما يسأل هو نفسه: «أهي رواية حقا؟» (36) غير أنها نص يمزج كل شيء، في قالب لا يخلو من عمق شعري ونظرة فلسفية، وقد بدا أن التحول إلى القوالب النثرية مقصدا يلجأ إليه الشعراء بحثا عن فضاء أوسع ضاقت عنه بحور الشعر، وليس مهما بعد ذلك ما إذا كان الناتج رواية أو شيئا يقترب منها في قضية أخرى تتعلق بتجنيس النص الأدبي.
الرواية النسوية في عمان37:
لم تكن البداية في عام 1999 الذي صدرت فيه أول رواية نسوية عمانية بداية عادية، فقد وعت بدرية الشحية مسؤولية أنها تشق طريقا لكل من سيكتبن - ويكتبون بالضرورة - بعدها، فكتبت روايتها على خلاف ما شاع من كتابات سبقتها، سواء على مستوى الثيمة المطروقة أو على مستوى التقنيات الموظفة، إذ تجلت أكبر مظاهر الجرأة الكتابية في «الطواف حيث الجمر» باستخدامها لضمير المتكلمة في سردها لحكاية زهرة، فتاة الجبل الهاربة إلى الجناح الإفريقي من عمان في ذلك الوقت - كما يشير إلى ذلك علي المانعي في كتابه القصة القصيرة في الخليج العربي - فلم تكن تشق طريقا روائيا جديدا على المستوى النسوي وحسب، بل شقته على مستوى الرواية العمانية عامة.
ولم تكتفِ الشحية بروايتها الأولى، بل أصدرت بعد عقد كامل من صدور روايتها الأولى، الرواية الثانية «فيزياء 1» - التي لا مبرر للرقم 1 في عنوانها ما لم تتبعه بفيزياء 2 - معالجة قضايا إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب، وقد «استطاعت بقدرة فائقة إثارة الكثير من الجدل الثقافي المحموم» (38)، وكاشفة، في الوقت نفسه، عن شخصية جريئة - هي «كريمة - المتمردة أخلاقيا، مستغلة إقامتها في مسقط بعيدا عن عين الرقيب العائلي لتمارس حريتها غير المحدودة،