العدد ... النبهاني شاعر التنوع والاختلاف لسعيدة خاطر الفارسي
الجزء ٢٧ · صفحة ٩وسلسالُ ريقٍ يفضحُ الشهدَ والخمرا
وجيدٌ كجيدِ الريمِ حالٍ مطوقٍ
يزينُ الجمانَ واليواقيتَ والشذرا
إذا نظرتْ أصمتْ قلوبًا وإن مشتْ
مشى الشوقُ في أحشاءِ عاشقها جهرا (30)
وراية هذه كما ذكر بعض المؤرخين، ربما كانت زوجة الشاعر. إلا أن المحقق التنوخي استبعد هذا يقول: «ويتغزل النبهاني بأوصاف الغواني ولاسيما خليلته أو زوجته المحبوبة راية التي ذكرها في أكثر قصائده، وشعره لا يشعر بأنها زوجة كما ترى في ترجمته» (31) ورفض التنوخي هذا مستند إلى استبعاد أن يتغزل شاعر بزوجته ويصرح بهذا على الملأ، ولست أرى ما يمنع ذلك فتراثنا العربي يحفل بذكر أسماء شعراء تغزلوا بزوجاتهم وذكروا محاسنهم (32) ومن هؤلاء شبيهه في التجربة الشاعر الملك الفارس المعتمد بن عباد الذي قال الكثير من قصائده متغزلا في زوجته المحبوبة.
يقول النبهاني في قصيدة اخرى مقسما بجمال وجه رايه ومبينا فروسيته وكرمه ومروءته:
يا رايُ قد- وجمال وجهك حِلْفَةً
أيقظتِ راقدَ كلِّ حزنٍ كامنِ
يا رايُ لستُ بناكلٍ *هيَّابةٍ
يومَ الهياجِ ولا الجبانِ الواهنِ
إِني وحقكِ أمنُ قلبٍ خائفٍ
أَلفَ الهمومَ وخوفُ قلبِ الآمنِ
أنا سعدُ كلِّ مسالمٍ بل نحسُ كلِّ
مصارمٍ بل حتفُ كلِّ مشاحنِ
فمنازلُ المُهدي المديح منازلي
وخزائنُ العافي الفقيرِ خزائني
يلقى المعزةَ والغنيمةَ سائلي
فضلاً كما يلقي الحِمَامَ مطاعني
كتبَ الإلهُ على ذُبابِ مهندي
أنتَ الحِمامُ وفيكَ حينُ الحائنِ (33)
(وإذا أنصفنا الشاعر جازَّ لنا أن نتساءل ما الفرق بين هذا النمط من الغزل وغزل قصائد الفروسية والفرسان في الشعر العربي؟ حتى لينسب أغلب الدارسين النبهاني إلى شعراء المجون واللهو والغزل الفاضح؟
ولست أوافق د. علي عبد الخالق فيما ذهب إليه من أن النبهاني يمثل اتجاه النزعة التقليدية في الغزل والمجون ووصف مجالس الشرب «فشعره تعبير صادق عن ملذاته، ونمط حياته، وهي ذاتية ملك شاعر تماما كما كان الشأن في «امرئ القيس» الملك الضليل، فالنبهاني هو الملك العربيد وقد دفعه إلى ذلك حياة الترف، واللهو والغنى والملك التي عاشها «.
ثم يقول … . «وشعر النبهاني أصدق مثال للغزل الفاضح واللهو والمجون وغلب عليه التأثر بأمرئ القيس في طريقة العيش وأسلوب التفكير» (43)