العدد ... النبهاني شاعر التنوع والاختلاف لسعيدة خاطر الفارسي
الجزء ٢٧ · صفحة ١٠ولا أتفق مع د. شكري بركات فيما ذهب إليه أيضا عندما تحدث عن العوامل التي أثرت في اتجاهات الغزل عند الشاعر النبهاني إذ يقول بعد أن يعدد صاحبات الشاعر «هو كعمر بن أبي ربيعة مطلوب من المرأة ليس طالبا لها ففي الأبيات شبهة نرجسية، وراية صاحبة الشاعر الأولى التي نالتْ الحظ الأكبر مما نظم، وبين هذه العربدة المستمرة يصحو ضمير الشاعر … » الخ (53) ولست أدرى لماذا نصرُّ على أن نجد شبها لكل شاعر متأخر ممن سبقه مع أن هذه لا تعدّ ميزة للشاعر، إنني لن أميز النبهاني إذا ما شبهته بشاعر جيد حتى وإن كان هذا الشاعر مبدعا، أو أميرا للشعراء- كما أطلقوا عليه- كأمرئ القيس أو عمر بن أبي ربيعة.
إن القصيدتين اللتين علق عليهما علي عبدالخالق وشكري بركات وشبه الأول النبهاني بامرئ القيس وشبه الثاني الشاعر بعمر بن أبى ربيعة هما من قصائده التي حاكى فيها معلقة أمرئ القيس ورائية عمر الشهيرة، والنبهاني شاعر احتذى وحاكى قصائد عديدة من التراث (63) وهو حينما يحتذي لا ينكر ذلك التقليد والاحتذاء، بل يتعمد توضيح ذلك، ولذا فهو لا يحاكي القافية والبحر فقط، وإنما ينقلنا إلى مناخ القصيدة، بظروفها وملابساتها … ويكتفي هو بإعادة صياغتها بلغته الشاعرية الجيدة وبأسلوبه المتميز … ولعل مبالغة النبهاني في نقل تجربة أمرئ القيس وتجربة عمر بن أبي ربيعة كما هي، قد أوقعت الباحثين في اللبس. إنه باختصار يعيد لنا تجربة الشاعرين بأسلوبه هو، وليس تلك تجربته الذاتية وإنما هو محتذى لتجربتين يراهما قدمتا للشعر العربي نموذجا فنيا جيدا من نماذج الغزل، أيا كانت نوعية ذلك الغزل وقبولنا أو رفضنا له من حيث الصدق الواقعي أو من حيث الانطباع الخلقي .. إذ يكفيه ما يتسم به من جمال الصدق الفني والإجادة في رأي النبهاني مما جعله في نظره صالحا للاحتذاء والمحاكاة. والسؤال الذي يراودني ما مدى صحة القول المكثف حول عربدة الشاعر ومجونه، وانغماسه في اللهو؟ - وهذا ما أجمع عليه معظم دارسي شعر النبهاني (73) - في ظل ظروف الفتن والحروب المستعرة التي تحدق بالشاعر وتهدد حكمه؟.
يبدو لي أن الأمر يحتاج منا إلى وقفة للمراجعة.
وبينما يرى د. محمد غنيمي هلال «بأنه ليس هناك شاعر شعره حسي كله أو عذري كله» (83) يرى نزار العاني أن «خصائص الشعر العذري نجدها بحذافيرها داخل شعر النبهاني، مما يسمح بإضفاء سمة العذرية على شعره وعليه» (93)
وحينما نراه متأرجحا بين هذا وذاك، فإن هذا مردّه إلى «إن الشاعر يضع قدما في عالم العذرية، وينقل قدمه الأخرى إلى أرض العلاقات المحسوسة مندفعا وراء أمانيه بالوصال» (40).
وعندما يقول النبهاني:
بأبي ظعائنَ من ربيعةِ عامرٍ
غُرٍّ كواعبُ كالبدورِ ملائحُ
يَبْسِمْنَ عن حُوَّ المراكزِ وضُّحِ
تيهًا كما ابتسم الغمامُ الرائحُ
حاوْلتُهنَّ فما أبينَ وإنما
كفَّ العفافُ يدي وعقلي الرَّاجحُ (41)
فإنه يؤكد لنا أن الشاعر لا يبتعد كثيرا عما نلمسه من خصائص عذرية لدى الشعراء العذريين.
لكن النبهاني رغم هذه الرقة في غزله وهذا اللين مع المحبوبة، شديد عصي على الخصوم، وهذه إحدى صفات الشاعر الفارس، فقد خاض النبهاني معارك كثيرة وخبر ميدان القتال وأحرز من الانتصارات على مناهضي حكمه الكثير فهبّ يترنم بوقائعه، وتمرسه بالشدة والصلابة في مجابهة الأخطار، يقول:
وربيبِ سلطنةٍ أطرتُ فراخَه*
بالسيفِ والبيضِ الصوارمِ تلمعُ
ساورتُه في النقعِ ثم علوتُه