مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... النبهاني شاعر التنوع والاختلاف لسعيدة خاطر الفارسي

الجزء ٢٧ · صفحة ١١

بمصممٍ يفري الحديدَ ويقطعُ

فهوى لحرِّ جبينِه متمطرًا

كالعيرِ يفحصُ في الثرى ويُبَّوعُ

فتركتُه تحت العجاجِ مجندلاً

تكسوه بالمورِ* الرياحُ الأربعُ

مهلا طواغيتَ الملوكِ فإنني

كالموتِ ليس له لعمريَ مدفعُ (42)

ويمتلئ الديوان بقصائد تصف المعارك الحربية الكثيرة التي خاضها الشاعر ، والنبهاني يتوكأ في فخره على مفاخر قدامى العرب من مثل عمرو بن كلثوم والمهلهل، فيكثر من ذكر أسماء الرجال، ومواقع القتال ويجيد وصف القتال ويطيل فيه، وهو صادق العاطفة مندفع الحماسة، قوي الوصف، دقيق التصوير .. يقول:

فأقبلتهم وجهي وقد مالَ جمعُهم

عليَّ وعزمي لم تُمته العظائمُ

أنثِّرهم فوق «الحُبَيْلِ» (43) ودونه

كما انتثرتْ من صُرَّتيها الدراهمُ

بضربٍ يبينُ الهامَ عن مستقرها

وتنأى عن الاكتافِ منه المعاصمُ

وطعنٍ كأفواهِ المزادِ تحلَّلَتْ

وقد أُترعتْ بالماءِ منها المحازمُ

فكلُّوا وملُّوا وإبذعرُّوا وأوجفوا

فراراً كما فرتْ لعمري النعائمُ (44)

أخذ النبهاني هذا المعنى من قول المتنبي:

نثرتُهم فوق الأحيدبِ نثرة ً

كما نُثِرتْ فوق العروسِ الدراهمُ

ونلاحظ أن تشبيه النبهاني هنا أفضل وذلك نظرا لعدم توافق الوقع النفسي لطرفي الصورة عند المتنبي. كما أن النبهاني قد جعل فعل النثر فعلا لا إراديا، فالدراهم انتثرتْ هنا دون إرادة الفاعل لنثرها، وهذا أوقع بالنسبة للنقود، وكذلك القتلى نثرهم النبهاني دون إرادتهم، بل غصبا عنهم إثر الإنهزام.

ويرى عبد القاهر الجرجاني النثر في الأشياء وليس في الأجسام الثقيلة، يبين: يفارق، المزاد: القرب، المزادة القربة الكبيرة تجمع على مزاد أي تخرج الدماء من الأجساد المطعونة كأمواه القرب، المحازم: الجوانب حيث وضع الحزام، أبذعروا: تشتتوا وخروا، أوجفوا: يسرعوا فارين كالنعام،

والحق أن هذه الأبيات يعبر كل ما فيها عن الحرب، صورها، ألفاظها، معانيها، موسيقاها. والعاطفة التي تنبعث منها، ولأن النبهاني محارب يخوض معمعة المعركة، لذا نراه يلتقط المناظر وينقلها لنا بصورة واضحة معتمدا على حاسة

٢٧٥ / ٣٥٢