العدد ... صورة عمان في الشعر العربي لهلال الحجري
الجزء ٢٩ · صفحة ٥صورة الملاذ الآمنر، بما لبعدها ونأيها عن نفوذ السلطات المستبدة خاصة في العصرين الأموي والعباسي، كانت عمان ملاذا آمنا لبعض الشعراء العرب الذين فروا إليها خوفا من البطش والظلم. ولعل أول شاعر هاجر إلى عمان حقنا للدماء وطلبا للأمن هو قيس بن زهير العبسي الذي هاجر إلى عمان بعد حرب داحس والغبراء في الجاهلية.
ذكر هجرته هذه ابن منظور في لسان العرب، حيث يقول: «وشاعَكم السلامُ كما تقول عليكم السلامُ، وهذا إِنما يقوله الرجل لأَصحابه إذا أَراد أَن يفارقهم كما قال قيس بن زهير لما اصطلح القوم: يا بني عبس شاعكم السلامُ فلا نظرْتُ في وجهِ ذُبْيانية قَتَلْتُ أَباها وأَخاها، وسار إِلى ناحية عُمان وهناك اليوم عقِبُه وولده». ويؤكد هجرة قيس أيضا ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» ولكن بتفصيل آخر. يقول:
«وقيل: إن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان وقال: لا تراني غطفانيةٌ أبداً وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عمان فترهب بها زماناً، فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه فقتله وقال: لا رحمني الله إن رحمتك».
وفي العصر الأموي كثر الشعراء الذين فروا من بطش الحجاج بن يوسف وغيره من ولاة بني أمية، فكان الملاذ الآمن لهم في الغالب عمان وإن طالتهم أيدي الحجاج أحيانا. من هؤلاء الشعراء عمران بن حطان، وهو شاعر كما ذكر أبو الفرج الأصبهاني في أغانيه خرج من العراق «فنزل بعُمان بقوم يكثرون ذكر أبي بلال مرداس بن أدية ويثنون عليه ويذكرون فضله فأظهر فضله ويسر أمره عندهم وبلغ الحجاج مكانه فطلبه فهرب فنزل في روذميسان طسّوج من طساسيج السواد إلى جانب الكوفة - فلم يزل به حتى مات وقد كان نازلاً هناك على رجل من الأزد فقال في ذلك:
نزلت بحمد الله في خير أسرةٍ
أسر بما فيهم من الإنس والخفرْ
نزلت بقومٍ يجمع الله شملهم
وما لهم عودٌ سوى المجد يعتصر
من الأزد، إن الأزد أكرمُ أسرةٍ
يمانيةٍ قربوا إذا نُسب البشر
وأصبحت فيهم آمناً لا كمعشرٍ
بدوني فقالوا من ربيعة أو مضر
أو الحيِّ قحطانٍ وتلك سفاهةٌ
كما قال لي روحٌ وصاحبه زفر
وما منهم إلا يُسرُّ بنسبةٍ
تقربني منهم وإن كان ذا نفر
فنحن بنو الإسلام والله واحدٌ
وأولى عباد الله بالله من شكر.
و منهم سَوّار بن المِضَرَّب السعدي من بني سعد بن زيد مناه بن تميم. عارض الحكم الأموي أيام الحجاج بن يوسف الثقفي في الكوفة ، فطلبه الحجاج ليقتله ، فاستطاع أن يهرب وينجو منه إلى عمان كما يؤكد ذلك المبرد في كتابه الكامل. وهو يقول في ذلك:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي
وقومي تميمٌ والفلاة ورائيا