مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... كتابة قواميس البيوغرافيا في عمان لعبدالرحمن السالمي

الجزء ٣٠ · صفحة ٤

فجون ويلكنسون يبدي ملاحظاته حول هذه القوائم بان المشكلة فيها عدم الانضباط في التسلسل الزمني مما يؤدي أحيانا في القراءة الأولى إلى عدم وضوح النص للقارئ، وقد تحدث مغالطات في عدم استيعابها من خلال التسلسل الزمني، وهذه الإشكالية توجد على سبيل المثال عند الترجمة لشبيب بن عطية وهلال بن عطية الخراساني (23)، حيث اعتقد البعض انهما أخوان بينما في التحقيق يتضح أن شبيب عماني وهلال كان من خراسان لكنهما عاشا الفترة نفسها وحملا مسمى نسبة الأب كذلك. أما المعاناة الأخرى فهي تكرار العلم في مواضيع متعددة فتكون الإشكالية هي، هل هما علمان أو شخصيتان والأشكل من ذلك إذا كانا من قبيلة واحدة مما يؤدي أحيانا إلى إلغاء أحدهما أو الخلط في العلاقة بينهما ولازال التساؤل في كثير من الشخصيات كنحو المنير بن النير وسلمة بن مسلم العوتبي والخليل بن شاذان هل هما علمان او علم واحد فقط.

هذه الظاهرة استمرت في جدولة قوائم البيوغرافيا من بعد لتبرز مع كل من محمد الشيبة السالمي في كتابه «نهضة الأعيان» وسالم بن حمود السيابي «إسعاف الأعيان في انساب أهل عمان» عند تقديم قوائم لأئمة عمان مع تسلسلهم الزمني وتسلسل الإمامة في عمان. لكن المنهج المختط الذي وضعه حديثا سالم السيابي في «طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي»، بمحاولته تصنيف طبقات العلماء العمانيين في تسلسل زمني عبر القرون لم يتوسع كثيراً ليشمل جميع العلماء لكل طبقة وتوقف عند الحلقة الرابعة من علماء عمان، وكذلك فان الرؤية للإيديولوجية الإباضية كانت هي الدافع. ومع ذلك فان المحاولة كانت مدخلا سريعا لمعرفة طبقات العلماء العمانيين ولو بشكل متأخر جدا. ثم إن المنظور الأساسي المنتهج في تصنيفه هو انه واكب أسلوب القوائم السابقة بحيث أن كل طبقة هم حملة علم من لدن جابر بن زيد إلى القرون الحاضرة. فمصنفات كتب الطبقات خدمت أو بدأت مع نطاق علوم الحديث وتوسعت مع مجريات كتب قواميس البيوغرافيا (24) وبرغم وجودها واستعمالها في المصنفات الإباضية نحو الشماخي في «الطبقات» (25) ثم من بعد تذييله ب «الجواهر المنتقاة في ما أخل به كتاب الطبقات» للبرادي (26). إلا إنها في ما يبدو لم يكن لها تأثير في النطاق العماني في رصد التراجم وتدوينها.

وهكذا من عرض هذه القوائم يمكن رصد مدى فاعليتها في الكتابة التاريخية في عمان ابتداء من «كشف الغمة» ثم من بعد في أجزاء من «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين» إلى «تحفة الأعيان» وانتهاء مع «عمان عبر التاريخ». فقد سلك المؤرخون المحدثون في عمان المسلك نفسه كما اقتفوا الخطى نفسها في تقيم التاريخ وتتبعه وتقسيمه في عمان على أسس الأئمة الذين حكموا عمان، إلا أن التمايز لاشك فيه من حيث الدقة والرؤية المتبناة. فالتطور لهذه القوائم صاحبته بحوث موازية ومختلفة لتكون اكثر ملاءمة في تقصيات أحداث التاريخ العماني.

IV- إننا هنا أمام أصناف عدة من المصنفين للبيوغرافيا لابد من فرز منهجية كل منهم على حدة. فالتطورات السياسية التي حدثت في عمان خلال القرن التاسع عشر والامتداد الجغرافي للدولة العُمانية نحو شرق أفريقية أثرت على الحركة العلمية في عمان وبدأت أساليب الكتابة الكلاسيكية القديمة تميل إلى التماحي، كما في القوائم البيوغرافية السابقة والانتقال بصورة تدريجية وإعداد نقل هذه الكتابات إلى نمطية المصنفات الشاملة. لكنها تتداخل من حيث اختصاصات مضامينها في المصنفات الحديثة، بحكم تداخل المحاور وتعدد المواد المعرفية ثم كذلك لتطورات السياسة في عمان مع نهاية القرن التاسع عشر:

ابن رزيق (ت 1873):

بحد ذاته حميد بن محمد بن رزيق يعد ظاهرة فنية أدبية عمانية في القرن التاسع عشر، امتزجت فنيته الإبداعية بالآداب والتاريخ والشعر والنثر. حتى الآن لم تبرز دراسات تدلي بوضوح عن حياته العلمية ونشأته لكن من الممكن أن ندلي بشيء عنه بما أن هنالك بعض الجوانب التي قد تساعدنا لفهم حياته. لقد أدى نقل العاصمة العُمانية من داخلية عمان (الرستاق) إلى مسقط في عهد السلطان حمد بن سعيد بن الأمام احمد البوسعيدي لامتزاج العرقيات على الساحل العماني واصبح ازدهار مدينتي مسقط ومطرح تهيئ الظروف في تكوين مجتمع متعدد العرقيات بما يشبه (الكزموبلتان). وبدأت دواوين السلاطين في اتخاذ نوعية من الأدباء والكتاب تجاوز فيها القبلية التقليدية وقد التصقت عائلة ابن رزيق بديوان السلاطين البوسعيديين. (27) فنشأته الأدبية تظهر في اتجاهاته وكتاباته التي مكنته من أختطاط منهج مبتدع بالنسبة للثقافة العُمانية في بدايات القرن التاسع عشر فعلى سبيل المثال التميز النوعي للكتابة وتطورها يمكن ملاحظته بالمقارنة بينه وبين ابن قيصر في سيرته عن الإمام ناصر بن مرشد (ق17) وسيرة ابن رزيق (البدر التمام) عن السلطان سعيد بن سلطان حيث يتجه ابن قيصر إلى الأسلوب البلاغي بينما يتجه ابن رزيق نحو السرد والوصف. ثم تلك العلاقة بديوان السلاطين مكنت مصنفاته من التداول فالسلطان ثويني بن سعيد أهدى إلى القس برسي بادجر مجموعة من مؤلفات ابن

٣١١ / ٣٥٢