العدد ... معركة الجزائر لـ؟؟؟
الجزء ٣٢ · صفحة ٤الشتائم والبصاق على علي. يسير علي في منتصفهم محمياً من البوليس. لا يهتم بالضربات الأولى، والصرخات والبصاق، ولكنه يبدو وكأنه لا يرى ولا يسمع، وكأنه قد استسلم لخسارة المعركة هذه المرة، وأخذ يجهز للانتظار بصبر لفرصة أخرى أفضل. يسير بخطىً ثابتة. وجهه خالٍ من العاطفة، بيضاوي، داكن اللون. شعره أسود متموج، جبهته منخفضة واسعه، عيناه واسعتان منخفضتان بأجفان متهدله، فمه ثابت ومتكبّر. المتكلم: عمر علي، المعروف بـ «علي لابوانت» ولد في ميليانا 1 مارس، 1930. التعليم: امي العمل: عامل يدوي، مزارع يدوي، ملاكم، وحاليا بلا عمل. اتهاماته السابقة: 1942 .. محكمة اوران جوفينيل، سجنه في الإصلاحية بسبب التخريب المتعمد. 1944 .. سنتان في الإصلاحية بسبب السرقه. 1949 .. محكمة الجزائر، ثمانية أشهر من اجل ممارسة الدعارة ومقاومة القبض عليه، يسيء للآخرين بشكل دائم. 10. باريس 1955. خارجي. نهاراً. الهواء صافٍ كمثل طقس الربيع. تقف سيارة ستروان للنقل ماركة 4 CV . امام مخازن مبنى وزارة الداخلية. الباب الخلفي مفتوحاً والمحرك شغال ورجل بوليس يقف عند عجل السيارة. يخرج عاملان بملابس العمال من المخازن. كل واحد منهما يحمل صندوقًا ويضعه داخل الشاحنة، الصندوقان مصنوعان من الخشب الجاف وكلاهما مستطيلان. كل واحد منهما طوله ثماني بوصات؛ وارتفاعهما بارده وياردتان على التوالي. يجلس العاملان داخل الشاحنة عند المؤخرة. ووجهاهما متجهان نحو الداخل. اقدامهما متدلية تكاد تلمس الأرض. تدفعهم الحركة المرتجه للشاحنة وهي تتحرك إلى الضحك. شوارع باريس. الربيع. فتيات بأثواب رقيقة تلتصق باجسادهن. يناديهن العاملان، يصفران، يلوحان بحركات مختلفه، ثم يتحركان بعيداً. مطار أورلي تقف الشاحنة أمام مخزن كبير. يقفز العاملان إلى الأرض، يضعان الصناديق على اكتافهما ويدخلان إلى المخزن. تتحرك الصناديق على حامل منحدر متحرك. على كل منها يقول: جمهورية فرنسا. وزارة الداخلية. الجهة المقصودة: سجن برباروس. الجزائر. 11. الجزائر. سجن برباروس. خارجي. صباحاً يقع سجن برباروس في ضواحي القصبة العليا. انه قلعة قديمه محاطة بحيطان كثيفة مرتفعة. تكاد لا تظهر إذا ما قورنت بالمبنى المركزي الذي يطغى عليها. يغطي كل البناء الجير الأبيض مثل باقي بيوت القصبة. اعمدة الشبابيك فقط مغطاة باللون الأسود. تفتح البوابة. تدخل باحة السجن سيارة جيب مغطاة. ووضع داخل الجيب الصندوقان المرسلان من باريس. الصباح الباكر. السماء زرقاء باهتة. في باحة السجن يفتح العمال الصندوقان ويجمعان أجزاء المقصلة. من الممكن رؤيتها من نوافذ غرف السجن المواجهة للساحة، تظهر وجوه بعض المساجين بين أعمدة الشبابيك. يختفي العمال. ولا يبقى سوى البديل المؤقت لشكل المقصلة يظهر وقد استطال شكلها الدقيق. 12. غرفة السجن. داخلي. صباحاً. في احدى الغرف هنالك عشرون سجيناً، الغرفة واسعة؛ هنالك شباكان مرتفعان تكادان تصلان إلى السقف. يقف أحد المساجين على وعاء البول، وينظر إلى الخارج عبر الشباك المغلق بالأعمده .. على الأرض هنالك بعض البسط التي تستعمل كمكان للنوم. لا شيء آخر. يجلس على الأرض حوالي عشرة سجناء كمجموعة يتكلمون همساً. يتكلمون بحركة الشفاه همساً. يلعب اثنان منهما ببعض الحجارة على رقعة شطرنج رسمت على الأوساخ؛ الآخرون يتكلمون مع بعضهم البعض. يقرأ واحد كتاب ميكي ماوس الفكاهي ويضحك لنفسه. ولكنهم جميعاً يتميزون بالمظهر والتصرفات من الباقين الذين يشكلون الأكثرية. هؤلاء الرجال المنفردون يختلفون بطريقة ما، انهم ليسوا جانحين اعتياديين. علي لابونت لوحده مبتعداً عن الآخرين، يجلس ارضاً، كتفاه مسنودتان غلى الحائط، ركبتاه مرفوعتان. حافياً. وعلى كاحله الشمالي مباشرة فوق قدمه دق وشم بكلمتين مطبوعتين Tai Toi ( اقفل فمك). قميصه غير مزرر وعلى صدره اوشمه أخرى بأشكال غريبه. ينظر علي إلى المجموعة ويبدو انه يستمع إلى كلماتهم المهموسة. دون تفكير تعبيره قليل الكلام، متحفظ وغير مبالٍ. يستدير علي نحو السجين الواقف على الشباك. السجين الواقف على النافذة: انظر إليهم. يقفز علي على قدميه. الجميع يتجهون نحو الشباكين. يتحرك علي بعيداً اثنين ياردة بخطى سريعة، ثم يركض باتجاه الشباك، ويمسك الأعمدة بكلتا يديه، ويرفع نفسه إلى أعلى نحوه. يستدير الرجل المحكوم عليه وينظر إلى أعلى باتجاه الشباك. يبدو انه يبتسم بالرغم من أن وجهه لا يتحرك. وبصوت رقيق، يخاطب هذه الوجوه التي تظهر خلف القضبان. الرجل المحكوم عليه: تحيا الجزائر! يردد المساجين السياسيون الجملة ويعيدون تردادها تاركين وقتاً لخطوات المحكوم عليه. المساجين السياسيون: تحيا الجزائر.13. ساحة السجن. خارجي. صباحاً يسير المحكوم عليه باتجاه المقصلة يرافقه الحراس ورجل دين يقرأ القرآن. وهناك ايضاً من سينفذ الحكم يلبس ثياباً سوداء. يحاول منفذ الحكم أن يتظاهر بعدم الاكتراث. يتلو الشيخ صلواته. كل المراسم تبدو مرتجلة وسريعة. الوصول للنهاية سريع. صلوات ينحني المحكوم عليه. يضع المنفذ رقبة المحكوم عليه في مكانها الصحيح ويحكم موقعها، يدير رأسه قليلاً، ثم يدفع جسده إلى الأمام. ويطلق الآلة. يسقط النصل، يتدحرج الرأس. لم يعد هنالك جوقه. لا أحد يغني. بقيت عينا علي بلا حراك. ثم من الأعلى، بينما يحمل الجسد المقطوع بعيداً في سلة، وبينما يغادر الشيخ والحراس والضابط وبينما يفك العمال، المقصلة، تسمع من شرفات القصبة فجأة زغاريد النساء كثيفة مثل غناء العصافير، حادة، نحاسيه، غاضبة. النساء: زغرده «جو - جو» 14. مربع صغير. القصبة. خارجي. نهاراً. يناير 1956 السماء تمطر. تتراكض المياه في القنوات على الممرات الضيقه. تحولت البيوت البيضاء إلى رمادي اسفنجي، يلعب اولاد القصبة ويتراشقون بالوحل. اولاد ضعاف البنية انصاف عراة، أولاد منتفخو البطون مقصوصو الشعر بسبب الإلتهابات. تناديهم امهاتهم بلا جدوى، يتابعون الركض واللعب والتمرغ بالوحل، بمرح يائس. نداءات. اصوات. صراخ كان عمر الصغير آنذاك في العاشرة