مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... معركة الجزائر لـ؟؟؟

الجزء ٣٢ · صفحة ١٣

اصواتهن شبيهة بالصلوات. من آن لآخر؛ هنالك صرخة فجائية. أنين يائس، واحد يركض. جثة أخرى تشد من الحطام، اجساد شوهت او ما زالت لم تمس وكلهم موتى. الناس ما زالت تنقب في الحطام وتنتظر حول المكان مثيرة للشفقة. 53. شوارع القصبة. خارجي. نهاراً. في شوارع وحواري القصبة الأخرى أو حتى في أعلى السلالم ليس هنالك أية شفقه. هنالك غضب وكراهية. يركض الناس وهم يصرخون. انهم يصرخون من شبابيكم وشرفاتهم: جو-جو فيغطون أي صوت آخر. يزداد الحماس. يركضون حيث هنالك المزيد من الصراخ. حتى الآن، لا يدرون ماذا يفعلون ولكن يريدون ان يبقوا معأً متجمعين، حتى يكون هنالك صوت أقوى وأوضح من الجميع مما يعطيهم هدفاً واتجاهاً. يشير علي لابوانت إلى الاسفل خلف منحدرات الحواري والسلالم. هناك في الأسفل المنطقة الأوروبية التي تتسع قرب البحر. تصرخ الجموع وتتدافع، وتتراكض مسرعة إلى الأمام معه مثل ساقية غاضبة مثيرة للضوضاء ولا يمكن كبح جماحها. علي واقف مع رجاله. خمسة صبيان واحد منهم اكبر من عشرين. جميعهم مسلحون. الجموع تدفعهم للإسراع والركض. عمر الصغير ابعد واحد في المؤخرة. انه يلبس سروالاً قصيراً، صدره عارٍ، وهو حافي القدمين، ينادي علي بكل قوته ولكن عبثاً. يحاول أن يلتقي مع علي ويشق طريقه بين سيقان الآخرين؛ يركض متعلقاً بالآخرين، يدفع، ويمر بالقرب من الحيطان ثم يستدير نحو شارع جانبي، ويندفع نحو طريق فرعي، وأخيراً يصل إلى الأمام. يركض نحو علي. تقريباً وقد توقف عن التنفس. عمر الصغير (يصرخ) قادر يقول لك ان توقفهم! يقول انه علينا ان نوقفهم! يبطيء على قدر الإمكان والجموع تدفعه من الخلف. علي: أين قادر؟ عمر الصغير: مع الآخرين. إنهم يحاولون ايقاف الناس. علي: ابتعد. اصواتهم بالكاد تسمع أو تفهم بين الأصوات العالية. عمر الصغير: ولكنه يقول إذا ما استمرينا في السير هكذا، فنحن نلعب لعبتهم، وسيقتلون الجميع … توقف، علي! يتابع علي الركض. وجهه جامد، عابساً، كما يكون دائماً عندما عليه ان يختار بين الغريزة والعقل. يناديه عمر ثانية. صوته هستيري مردداً ثانية الطلب بالتوقف انه متعلق باحدى ذراعي علي. يخلص علي ذراعه بطريقة عنيفة ويضرب الولد. يتأرجح عمر ويسقط ضارباً الحائط. بهذه الحركة يبدو أن علي تخلص من غضبه الذي اصابه بسبب عدم قدرته على القيام بأفعاله. ابطأ حركته وتكلم لرجاله بضع كلمات بالعربية بصوت بارد مرير. يمد علي ذراعه فتقلده الآخرون. كل رجل يمسك بذراع الآخر ليشكلوا سلسلة تضبط المتدفقين خلفهم فيوقفوا الجموع ويرجعوها إلى الوراء بدلاً من تقدمها إلى الأمام. 54. منزل قادر. داخلي. نهاراً. سبتمبر 30، 1956. تقف جميلة، الفتاة التي سلمت في يناير المسدس لعلي لابوانت في شارع راندوم امام مرآة كبيرة ترفع البرقع من على وجهها. نظرتها قاسية ومركزة ووجهها خالٍ من التعبير. تعكس المرآة جزءاً كبيراً من الغرفة: إنها غرفة نوم. هنالك ثلاثة فتيات أخريات. هنالك زهرة التي هي في عمر جميلة. انها تخلع ثيابها وتنزع عنها ملابسها التقليدية وهي تلبس قميصاً داخلياً … وهنالك حسيبة التي تدلق زجاجة من البيروكسايد في طشت. وتضع شعرها الطويل في الماء لتصبغه باللون الأشقر. كل حركة محسوبة بدقه وحذر. انهن مثل ثلاث ممثلات يجهزن انفسهن للمسرح. ولكن ليس هنالك اي مرح؛ لا احد يتكلم. الصمت هو الذي يؤكد الإيقاع التفصيلي لتحولهم … فستان جميلة الخفيف الوزن الأوروبي من الحرير المطبوع … قميص زهرة وتنورتها القصيرة حتى الركبه … وماكياجها واحمر شفاهها وجزمتها العالية وكلساتها الحريرية … حسيبة لفّت شعرها بفوطة لينشف … وتلبس سروالاً من الجينز. وقميصاً بلا أكمام … جف شعرها الأشقر الآن. ربطته إلى الخلف كذيل حصان. جسد حسيبة غض، رفيع. تبدو وكأنها فتاة أوروبية صغيرة تجهز نفسها للذهاب إلى البحر. صمت مستمر. انتهت جميلة وزهرة من استعدادهما ويجلسان منتظرتين. ما زالت حسيبة حافية. انها تلبس الصندل عندما يدق واحد على الباب. تنهض جميلة وتذهب لتفتحه. إنه قادر. نظرة سريعة جاهزة؛ جميله … زهرا … حسيبة … . ترد حسيبة على نظرته بتعبير مرح مغرٍ، فتقول مركزة على فرنسيتها. حسيبة سيدي كل شيء على ما يرام. يبتسم قادر لثانية، دون بهجة، فقط ليسعدها. ثم يتكلم باختصار وبشدة بالعربية. ويستدير على كل واحدة على حدة، ويعطيهم العناوين. قادر: (مخاطباً جميلة) نمرة ثلاثة شارع دوشين. (مخاطباً زهرة) نمرة اربعة عشر شارع مونسينيور لينود .. (مخاطباً حسيبة) نمرة واحد وعشرون شارع ليدر. كل واحدة من الفتيات تعيد، بدورها، العنوان الذي اعطاها إياه. كل واحدة من الثلاثة تجيب بشكل عاطفي. الجو المحيط متوتر. يقوم قادر بتوديعهم على الطريقة الجزائرية، اولاً يضع يده اليمنى فوق قلبه. ثم يعانقهن. ينظرن إليه برهة من الزمن؛ إنهن مصابات بالخجل. يحاول قادر أن يزيل تعبهن، فيبتسمن، ويجيب على تعليق حسيبة السابق. قادر: حسناً، حظ سعيد. 55. شارع ليدر. خارجي/داخلي. نهاراً. 5:45 بعد الظهر هنالك عند رقم واحد وعشرين شارع ليدر مخزن لبيع الخبز. عادت حسيبة مرة ثانيه وغطت وجهها بنقاب وهي ايضا لبست ثوباً ابيضاً واسعاً يغطي جسدها بأكمله. دخلت إلى المخزن. هنالك نساء أخريات يشترين خبزاً. تنتظر حسيبة خروجهن، ثم تقول بالعربية لصاحب المخزن: حسيبة: جئت لآخذ الرزمة … يفرغ صاحب الدكان نصف سلة من الخبز؛ وفي الأسفل هنالك شنطة سباحة بحزام للكتف، ويعطيها لحسيبة. تخفيها حسيبة تحت ثوبها الفضفاض وتحني رأسها مودعة وتغادر المكان. 56. شارع مونسنيورلينو. داخلي. نهاراً. 5:45 بعد الظهر. عند الرقم 14 شارع مونسنيور لينو، هنالك دكان خياط مخزن لبيع الثياب، تلبس زهرة ايضاً برقعاً وثوبا فضفاضاً أبيض. تدخل. زهره: جئت لأخذ الرزمة … يصطحبها الخياط إلى الجهة الخلفية للمحل، حيث توجد غرفة عمل وفتيات شابات يخيطن. يبحث في أخذ الخزائن، يخرج شنطة قماش للطيران الفرنسي ويعطيها لزهرة التي تخفيها تحت ثوبها، تحييه، وتغادر المكان. … 57. شارع الصين. داخلي. نهاراً داخل الرقم 3 في شارع الصين وحرفي جزائري يعمل في التخريم. تأخذ جميلة شنطة

٣٤٣ / ٣٥٢