البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

وجود الجنة والنار الآن وفناؤهما

الجزء ١ · صفحة ٦٧١

إن كانت تلك حجج المثبتين فالمنكرون (16) لم يقبلوا هذه الحجج وأقواها قصة آدم عليه السلام فقالوا في شأنها:" آدم كان رجلا في الجنة أي بستان له على ربوة أي محل مرتفع، فعصى ربع فأنزله لبطن الوادي" (17) .

وهؤلاء يرون أنهما يخلقان ليوم الجزاء إذ لا حاجة إلى وجودهما الآن ومن أدلتهم:

" قوله تعالى: ( أكلها دائم) (13 الرعد 35) بمعنى مأكولها دائم أي لا ينقطع مع قوله تعالى: ( كل شيء هالك إلا وجهه ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (55 الرحمن 27) فلو كانت الجنة مخلوقة الآن لزم فناؤها وهلاكها فلا تكون دائمة والنار مثلها إذ لا قائل بالفرق.

وقوله تعالى: ( وجنة عرضها السماوات والأرض) (3 آل عمران 133) فلو كانتا موجودتين للزم تداخل الأجسام لن الآية صريحة في أن عرض الجنة هو عرض السماوات والأرض" (18) .

ويقول أبو هاشم في باب الاستدلال العقلي:" لو وجدنا فلا تكونان إلا في عالم الأفلاك أو العناصر أو في عالم آخر" (19) .

ج)الرد على القائلين بعدم الوجود الآن:

وقد تصدى القائلون بوجودهما لهذه الحجج فبينوا أنه لا حاجة إلى تأويل قصة آدم وحواء في الجنة، وتأويلها من غير ضرورة إلحاد في الدين (20) .

وأما الجمع بين الدوام والهلاك للوصول إلى أنهما فانيتان فهو من باب التأويل المردود إذ كيف تفنيان بفناء الدنيا وهنالك تبدأ وظيفتهما ويقول السالمي في هذا الصدد:" وأجيب عنه بأن دوام مأكول إنما هو على سبيل البدل بمعنى أنه إذا فني واحد جيء بآخر، أي لا يتصور دوام مأكول واحد بعينه فلا تنافي.

أو نقول: إن فناءهما أن تتفرق أجزاؤهما وتبقى ذواتهما على ما هي عليه فتكونان فانيتين صورة باقيتين ذاتا.

أو نقول: إن كون ذاتيهما قابلتين للفناء كاف في كونهما فانيتين فإن ما أمكن فيه الفناء لذاته فإن على الحقيقة ورفع الفناء عنه فعلا لعارض عرض عليه من خارج لا يدفع ذلك الإمكان الذاتي.

٦٧١ / ٧٤٦