تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

126

الجزء ٣ · صفحة ٣٩

أَو أَنها عظيمة بتعظيم الله لها كقوله تعالى أَنا عند المنكسرة قلوبهم من أَجلى وقوله فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ، وقوله : أَنا عند ظن عبدى بى باعتبار جانب ظنه الخير ﴿ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ محبهم أَو ناصرهم بسبب ما كانوا يعملون من طاعات وترك المعصيات ، أَو بدل ذلك وعوضهُ ، أَو متولى أُمورهم ومصالحهم فى الدنيا والآخرة ملتبساً بجزاء ما كانوا يعملون ، كما قال الحسن ابن الفضل : يتولاهم فى الدنيا بالتوفيق وفى الاخرة بالجزاء ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ واذكر يوم نحشرهم قائلين ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ ﴾ أَو نقول يوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن ، أَو ويقال يوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن والإِنس . ولو قدرنا يوم نحشرهم جميعا يكون مالا تفى به العبادة لصح ، لكن لا يكفى عن تقدير عند قوله يا معشر الجن إِلخ ، وتقدير هذا القول يعنى عن تقدير غيره فهو أَولا ، ولا مانع أَن يكلم الله الكفار كلام خزى ، فإِذا قدر يقال احتمل أَنه المتكلم أَو المتكلم غيره ، وإِذا قدر نقول لم يتعين أَنه القائل لجواز أَنه يقول بواسطة ملك . وهاء نحشرهم للجن والإِنس فقط ، وقيل لكفارهم فقط ، وقيل للشياطين ولو كانت الحيوانات كلها تحشر لأَن سائر الحيوانات لا يناسب قوله تعالى يا مشعر الجن ﴿ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ ﴾ إِلى قوله : النار مثواكم خالدين فيها إِلا ما شاءَ الله ، والمعشر الجماعة التى تضبطهم جهة واحدة وتحصل بينهم مخالطة؛ ولذلك عبر به فى جانب الجن المغوين إِذا الإِغواء يقتضى التعاون ، ومعنى استكثار الجن من الإِنس جعلهم أَتباعهم فيحشروا معهم كما يستكثر الأَمير الجند ، أَو كما قال ابن عباس والزجاج إِكثار إِضلالهم الإِنس . والاستكثار استفعال للطلب أَو المبالغة أَى طلبتم كثرة من الإِنس ونلتموها ، أَو بالغتم فى الإِكثار منهم ، ويقدر مضاف أَى من إِضلال الإِنس وجعلهم أَتباعا لهم إِذ يكلمون الإِنس من أَجواف الأَصنام بأَمر الشرك وبأَمر الله لهم به وبسائر المعاصى ، ويكلمون الكهان بذلك وبغير ذلك مما هو غائب فيدعون علم الغيب هم والكهان ويخبلون العقول فيصير الجنون ، ويغوون فى الصحارى ويوسوسون بالمعاصى ، وإِذا خاف إِنسان فى واد عشية أَو ليلا نادى : أَعوذ برب هذا الوادى من شر سفهاء قومه فيحافظ عليه وعلى دابته كبير الوادى من الجن . قال الله تعالى ﴿ وأَنه كان رجال من الإِنس ﴾ والجن تتعظم بذلك كله ، أَو بقبول الإِنس كلامهم وبكل ما يدعيه التاس لهم من علم الغيب وقطع المسافة البعيدة فى مدة يسيرة . ﴿ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين ﴾ قيل : لفظ الجن يطلق للروحانيين المستترين عن الحواس فيشمل الملائكة والشياطين ، ويطلق للروحانيين ما عدا الملائكة ، ويقال الروحانيون : أَخبار وهم الملائكة ، وأَشرار وهم الشياطين ، وأَوساط فيهم الخير والشر ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهثمْ ﴾ أَى من أَطاعوا الجن .

١٬٠٣٩ / ٦٬٠٩٣