154
الجزء ٣ · صفحة ٧٧﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ ﴾ ثم لترتيب الإِخبار بلا مهلة أَى ثم أَخبركم أَنا آتينا موسى الكتاب ، أَو لتراخى الرتبة أَى ذلكم وصيناكم به يا بنى آدم قديما وحديثا ، وأَعظم من ذلك أَنا آتينا موسى الكتاب ، ويبعد العطف على وهبنا له إِسحق لكثرة الفصل فانه بنحو نصف السورة ، وليس تقدير ثم مما وصيناه أَنا آتينا موسى الكتاب تقرير إِعراب ، ولا مخرجا لها عن تراخى الإِخبار أَو الرتبة ، وكذا تقدير ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل القرآن . ويجوز أَن تكون فى مثل الآية لمطلق الجمع ، وقدر بعض : ثم قل آتينا موسى الكتاب ، أَى قل عنا ، وقدر بعض : قل تعالوا أَتل ما حرم ربكم عليكم ثم اتل عليهم قولنا آتينا موسى ، ووجه أَعظمية إِيتاء موسى الكتاب وهو التوراة اشتمالها على تلك الوصايا وكثرة العلم وتفصيل كل شئ حتى أَ ، ها كجزاء لموسى كما قال ﴿ تماما عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِ شَئٍ وُهَدىً وَرَحْمَةً ﴾ أَى لاجل تمام نعمتنا أَى إِتمامها أَو آتينا موسى الكتاب تماما أَو ذا تمام أَو آتينا موسى الكتاب إِيتاء تمام ، أَو آتينا موسى الكتاب ذا إِتمام أَو متمين أَو أَتممناه إِتماما تأكيداً للجملة قبله ، والذى أَحسن هو موسى عليه السلام ، وضع الظاهر موضع المضمر ليصفه بالإِحسان المتسبب لإِيتاءِ الكتاب ، وذلك الإِحسان إِجادة علمه وعمله واعتقاده أَى آتيناه التوراة وزيادة على ذلك ، أَو المراد إِحسان التبليغ ، أَى آتيناه تماما على الذى أَحسن تبليغه ، أَو تماما على الفريق الذى أَحسن القيام به مراعاة لمن أَحسن من بنى إِسرائيل ، وفى هذا ضعف لأَن جلهم جهلاء بقرب نكثهم وفسقهم على عهد موسى عليه السلام ولا سيما بعده ، أَلا ترى إِلى عبادة العجل ﴿ اجعل لنا إِلها ﴾ فلا يحسن مدحهم مع هذا أَو لو أَراد المجموع لا الجميع ، ولو كان فيهم أَيضاً علماء وعباد غير ناكثين ، ويجوز أَن يراد تماما على كل من أَراد الإِحسان ، ويدل على إِرادة جنس المحسن قراءة عبد الله بن مسعود على الذين أَحسنوا ، وقراءة الحسن على المحسنين ، وقال أَبو مسلم : الذى أَحسن هو إِبراهيم فى قوله تعالى ﴿ وتلك حجتنا ﴾ ولا دليل عليه هنا ، ويبعده الفصل ، ونصب تفصيلا وهدى ورحمة على حد نصب تماما ، والمراد بتفصيل كل شئ بيان كل شئ يحتاج إِليه فى الدين لا كل شئ على الإِطلاق وما فيه من اليزادة على الدين فتبع له ، مع أَنها ليست عامة ، والمشهور اختصاص هذه الأُمة المحمدية بالاجتهاد ، وقيل به أَيضا لغيرهم ، والأَول أَصح ، اللهم إِلا إِن كان اجتهادهم بالقياس فيما يعلم من الدين ويفهم منه فهما جليا كأَنه ضرورى ، ولا دلالة فى الآية على أَنه لا اجتهاد فى دين موسى عليه السلام . وعن مجاهد : لما أَلقى موسى الأَلواح بقى الهدى والرحمة وذهب التفضيل ، والظاهر دوامه إِلا أَنهم غيروا ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ أَى بنى إِسرائيل المدلول عليهم بموسى وكتابه ﴿ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ ﴾ قدم للفاصلة وعلى طريق الاهتمام ، ولقاؤه تعالى حضورهم المحشر بالبعث للجزاء ، ويقال الرجوع إِلى ملك الرب وحده ولا يملك أحد معه شيئاً ، فإِن الناس فى الدنيا فى صورة المالكين ، ويقال كى يؤمنوا بالبعث والجزاء ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ وترجية الإِيمان بالبعث فيهم مما يدل على ركة اعتقادهم فى الدين وضعفهم فيه .