تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

108

الجزء ٣ · صفحة ١٥

﴿ وَلاَ تَسُبُّوا ﴾ أَيها المؤمنون ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ﴾ الأَصنام الذين يعبدونهم ، وواو يدعون للمشركين ورابط الموصول مفعول به محذوف ، أَى يدعونهم ، وهذه الهاء عائدة إِلى الذين الواقع على الأَصنام ، وذكرهم بلفظ العاقل وهو الذين لأن المشركين يعظمون الأَصنام أَو تغليباً للعقلاء منهم كالملائكة وعيسى وعزير ، وكأنها عندهم عقلاء كان النبى والمؤمنون يسبونها بما فيها من القبائح ، فقال المشركون : لتنتهين عن سب آلهتنا أَو لنهجون إِلهكم فنزلت الآية لئلا يسبوا الله ﴿ فَيَسُبُّوا اللهَ ﴾ لشدة غضبهم مع اعترافهم بالله سبحانه وتعالى ، كما تحمل الموجد شدة الغذب على التكلم بموجب كفره ، أَو يسبوا الله بما فيه بعض خفاء مثل أَن يسبوا من يأمر سيدنا محمداً A بما يقوله لهم ، والنصب فى جواب النهى ، أَو هو مجزوم عطفا على المجزوم ، أَى فلا يسبوا ، من نهى الغائب على ظاهره ، أَو على معنى النهى عن السب لسبهم الله ، فيكون تأْكيداً لقوله ولا تسبوا كقولك لا تكن هنا ولا أَراك هنا ، نهيته عن الكون هنا ، وعن لازم الكون هنا ، وفى هذا تكلف ، أَى لا تسبوا الله ولو سب محمد وأَصحابه آلهتكم . وقدر بعض فيسبوا رسول الله ، أَو المعنى أَن سبه A سب لله D كقوله تعالى ﴿ إِن الذين يبايعونك ﴾ الآية ﴿ عَدْواً ﴾ أَى سباً فهو مفعول مطلقن وكذا إِن ضمن معنى يسب مجاوزه الحد ، أَو المعنى يسبون الله لأَجل العدو ، أَو حال كونهم ذوى عدو ، أَو معادين ، وعلى أَنه حال تكون مؤكدة كما فى قوله تعالى ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بلا علم بما يجب ذكره فى حق الله تعالى ، أَو سفها منهم مع علمهم بحرمة سبه تعالى ، فإِن السفه جهل ولو مع العلم . احتضر أَبو طالب فقال أَبو سفيان وأَبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأُبى ابنا خلف وعقبة بن أَبى معيط وعمرو بن العاص والأَسود بن أَبى البخترى : أَنت سيدنا انْه محمداً عن سب آلهتنا كما لا نسب إِلهه فإِنا نخاف قتله بعدك ، فيقال : قتلوه بعد موت عمه ، فأَرسل إِليه فجاءَه صلى الله عيه وسلم ، فأَخبره بما قالوا ، وقال له : إِن هؤلاء بنو عمك قد أَنصفوك ، فقال : أَرأَيتم إِن تركت سبها فهل تعطوننى كلمة تملكون بها العرب وتؤدى لكم العجم الخراج ، فأَبوا فقال أَبو طالب : يا ابن أَخى قل غير هذا . فقال : لا ، ولو وضعوا الشمس فى يدى . فقالوا : إِلا تنته سببنا إِلهك معك . فنزلت . وليست منسوخة بآية القتال كما قال الزجاج وابن الأَنبارى ، بل نهوا عن سبها حيث ينسب لسب الله سبحانه ، فحين لا يسبونه لسبها سبت كما يسبها المسلمون فيما بينهم وبحضرة من لا يسبه قبل القتال أَو بعده ، وسبها طاعة ، لكن إِن أَدى إِلى معصية راجحة لا يمكن دفعها نهوا عنه .

١٬٠١٥ / ٦٬٠٩٣