126
الجزء ٣ · صفحة ٤٠قيل ذكر جواب الضالين ولم يذكر للمضلين جواباً إذ لم يكن جواب فى هذه القصة وهذا المقام ، بل أقحموا بالمرة ولو كان لهم جواب فى مقام آخر ﴿ مِنَ الإِنْسِ ﴾ من للتبعيض أَى بعض الإِنس أَو للبيان ، أَى الذين هم إِنس وليس استغراقاً ﴿ رَبَّنَا ﴾ يا ربنا ، هذا وما بعده إِخبار أَريد به التحسر كقوله :
هواى مع الركب اليمانين مصعد … جنيب وجثمانى بمكة موثق
﴿ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ استمتاع الجن بالإِنس ما تقدم ، واستمتاع الإِنس بالجن بمحافظة عظيم الوادى ودلالة الجن لهم على لذائذ وبيان السحر وبعلم ما يلقون إِليهم عند التهكن . وقيل المراد استمتع بعض الإِنس ببعض الإِنس لأَن هذا كثير ظاهر ، ويرده أَنه لا يليق بما سيق له الكلام من التبكيت ، وقيل بعضنا ببعض الجن ﴿ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ هو يوم البعث ، وهذا - قول الجمهور- هو الصحيح . وقال الحسن : يوم الموت . وذلك هو مع قولهم ربنا استمتع بعضنا ببعض خضوع لله D باعترافهم بالمخالفة ، وتحسر حين لا ينفع ، كما قال الله D ﴿ قَالَ ﴾ الله بواسطة أَو بخلق كلام حيث شاءَ ﴿ النَّارُ مَثْوَاكُمْ ﴾ مرجعكم أَو موضع إِقامتكم . وهو اسم مكان ميمى ، أَو رجوعكم أَى ذات رجوعكم . ولا يحسن التفسير به مع الاستغناء عنه بما لا حذف فيه ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ حال من الكاف مقدر ولم يشترط الفارسى لمجيئ الحال من المضاف إِليه شرطاً ، وهو هنا موجود لأَن مرجع مصدر ميمى ، وعلى أَنه اسم مكان ففى اسم المكان معنى الفعل إِذ هو موضع الرجوع أَو الإِقامة لأَنه ميمى فيسوغ عمله فى الظروف ولو كان لا ينصب المفعول ولا يرفع الفاعل . ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ ﴾ ما مصدرية ، والمصدر ظرف أَى إِلا مشيئة الله ، أَى إِلا وقت مشيئة أَن لا يكونوا فى النار ، وهو من وقتهم الذى قالوا فيه ربنا استمتع أَو من وقت حشرهم إِلى أَن يدخلوها . كأَنه قيل : ما لكم محيد عن النار إِلا ما مضى لكم من حين أَمهلكم فى الدنيا أَو من حين حشركم أَو قولكم ذلك إِلى وقت أَعد لدخولها ، على أَن الاستثناءَ منقطع لا على أَنه متصل ، إِذ لا يجوز سأَضرب القوم إِلا زيداً ما ضربته على الاتصال لا على الانقطاع . أَو المراد وقت خروجهم من النار إِلى الزمهرير على أَن النار بمعنى خصوص النار المحرقة لا مطلق دار العذاب التى اشتملت على الزمهرير . أَو وقت خروجهم إِلى الحميم ثم إن مرجعهم لإِلى الجحيم . والكل فى دار العذاب كما روى أَنهم ينقلون من عذاب النار ويدخلون وادياً فيه الزمهرير يفصل بعض الأَعضاء من بعض فيصيحون كالكلاب ويطلبون الرد إِلى النار ، ولا يصح ولا يجوز ما قيل أَنهم يخرجون من دار العذاب كلها إِلى جهة الجنة فيرونها ويقربون منها فيردون إِلى دار العذاب ليشتد تأَسفهم ، وإن هذا هو ما شاءَ الله فى الاية والاستثناء متصل غير مفرغ نظراً إِلى تضمن الخلود معنى أَبداً ، فكأَنه قيل خالدين فيها أَبداً إِلا وقت المشيئة .