1
الجزء ٦ · صفحة ١٧٤﴿ اقْتَرب للنَّاس حِسابُهُم ﴾ قرب قرباً شديداً لزيادة الهمزة والتاء ، أو مرادف للمجرد كرقب وارتقب ، ولا يقال ما القرب ، ومن حين نزلوها الى الآن أكثر من ألف عام ، وثلاثمائة ، وأحد وعشرين ، لأنه تعالى عظيم الشأن فالقرب عنده بعيد عندنا جداً ، فالألف من السنين عنده يوم فقد مضى يوم واحد وزيادة ، وقد قال الله D : ﴿ إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً ﴾ أو المراد بالاقتراب تحقيق الوقوع ، وإذا جاز التعبير بالمضى عن الآتى ، فكيف لا يعبر عنه بالقرب وكل آت قريب ، والبعد ما وقع ومضى كما قيل :
فلا زال ما تهواه أقرب من غد … ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس
أو القرب باعتبار ما مضى من الدنيا ، ولا حاجة الى تقدير مضاف ، هكذا اقترب للناس زمان حسابهم ، فإن ما قرب زمان وقوعه قد قرب ، وما قرب وقوعه قرب زمانه ، وهنا ذكر ما يقع ، وفى اقتربت الساعة ذكر الزمان ، وذكر اقتراب الحساب ولم يذكر العذاب ، لأن الحساب يوجبه ، وهو لدلالته على المناقشة دال على العذاب الشديد ، ولذلك مما لا يخلو قلوبهم عن الاضطراب به ، ولو بالغوا فى العناد .
كما روى أنها لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة ﴾ قالوا : أمشكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما يكون ، فمضت مدة فقالوا ما رأينا ما تعدنا فنزل : « اقترب للناس حسابهم » فأشفقوا ، ومضت مدة ، وقالوا : ما نرى شيئاً ، وللام بمعنى أل أو للاستحقاق أولى من كونها بمعنى من ، وقدم للناس وأخر حسابهم على طريق الاهتمام بالمقدم والتهويل به . والتشويق إلى ذكر المؤخر ، ولم يقل اقترب الناس للحساب ، لأن الأصل وهو الجارى فى القرآن أن يسند الاقتراب الى الآية ، لا الى الموجود والناس المكلفون عموماً ، أو المشركون ، أو مشركو مكة ، ليذكرهم بأوصاف الشرك بعد ، أو للعموم اعتباراً بالأكثر حكم الكل عرفاً وشرعاً ، وذلك كل لا كلية ، أو المشركون والعصاة ، فيصرف الى كل فريق ، وما يليق به ، وهو خلاف الظاهر .
ويروى أن خاتم النبى A ثلاثة أسطر : محمد سطر أول ، ورسول سطر فوقه ، والله سطر ثالث أعلى ، وخاتم الصديق : نعم القادر الله ، وخاتم الفاروق كفى بالموت واعظاً يا عمر ، وخاتم عثمان : لتصبرن أو لتندمن ، وخاتم على : الملك لله ، وخاتم عمر بن عبد العزيز : اغز غزوة تجادل عنك يوم القيامة .
﴿ وهُم فى غَفْلة ﴾ عظيمة بشدة بعدها عن التنبه ، أو بعمومها فى أمور الدين من التوحيد والرسالة والحساب والثواب والعقاب ، ونحو ذلك من الأصول والفروع والجملة حال من الناس ، ولا شعور للغافل عن المفعول عنه ، بخلاف الإعراض ، ولذا ذكره بقوله ﴿ مُعْرضون ﴾ خبر ثان ، أعرضواعن التفكر فى عاقبة حالهم ، ومآل أمرهم ، وذلك تابع لغفلتهم أو أعرضوا عن الآيات والتذكر بعد النزول أو أعرضوا أتوا بأمر عريض ، أى واسع فى غفلتهم ، وأفرطوا فيه كقوله :