112
الجزء ٣ · صفحة ٢١﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ مثل جَعْلنَا هؤلاء المشركين أَعداءَك يا محمد ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ ﴾ قبلك مفعول ثان ﴿ عَدُوًّا ﴾ مفعول أَول ، وهو جماعة كما يستعمل للمفرد ، أَلا ترى إِلى قوله ﴿ بعضهم ﴾ وقوله ﴿ ما فعلوه ﴾ وقوله ﴿ شياطين ﴾ بالجمع ، قال :
إِذا أَنا لم أَنفع صديقى بوده … فإِن عدوى لم يضرهم بغضى
﴿ شَيَاطين الإِنسِ وَالْجِنِّ ﴾ بدل من عدوا ، أَو هو الأَول وعدوا ثان ، والكل متعلق بجعلنا ، أَو حال من عدوا ، والشيطان المفسد العاتى من الإِنس أَو من الجن ، فلكل نبى شياطين من الإِنس وشياطين من الجن ، وشيطان الإِنس أَعظم من سبعين شيطاناً من الجن ، وشيطان الجن إِذا أَعياه المؤمن استعان عليه بشيطان الإِنس فيفتنه ، قال مالك ابن دينار : شيطان الإِنس أَعظم على من شيطان الجن ، إِن تعوذت بالله أَو ذكرت الله ذهب ، وشيطان الإِنس يجرنى إِلى المعاصى عيانا ، والجن كلهم من أَولاد إِبليس ، إِلا أنه يرسل طائفة إِلى الإِنس ليغووهم ولذا أضيفوا إِليهم فقيل شياطين الإِنس ، وطائفة إِلى الجن كذلك ، وعن ابن عباس : الجن هم الجان وليسوا شياطين ، والشياطين ولد إِبليس ولا يموتون إِلا معه ، والجن يموتون ، ومنهم مؤمن ومنهم كافر ، وذلك كما قيل الإِضافة بمعنى اللام ، وقيل للبيان ، وقيل إِضافة صفة لموصوف ، أَى الإِنس والجن والشياطين ، والآية تسلية لرسول الله A بما أَصاب مَنْ قبله من الأَنبياء فيصبر كما صبروا ، ويقال : المصيبة إِذا عمت هانت ، وحجة فى أَن الله خلق الكفر وشاءَه كما خلق الخير وشاءَه ، وفيها رد على المعتزلة سواء قلنا جعلنا صيرنا أَو خلقنا أَو أَثبتناه وعلى الوجهين لجعلنا مفعول واحد هو عدوا ، وإِعراب الباقى كما مر ، وزعمت المعتزلة تخلصا من أَنه تعالى خلق المعاصى أَن المعنى : كما خلينا بينك وبين أَعدائك خلينا بين الأَنبياء قبلك وأَعداءَهم ، ولم يمنعهم ليحصل الثواب والعقاب ، أَو أَن الجعل بمعنى طريق التسبب حيث أَرسلنا الأَنبياءَ فحسدهم الكفرة ، أَو أَن المراد : كما أَمرناك بعداوة قومك من المشركين أَمرنا من قبلك بعداوة المشركين ، أَو كما أَخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بها أَخبرنا الأَنبياءَ قبلك وحكمنا ، وذلك باطل وخلاف ظاهر الآية وتكلف بلا داع إِليه سوى التعصب لمذهبهم الباطل ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ حال من شياطين ، أَو مستأْنف أَو نعت لعدو يرسل فى الإِخفاء أَحد النوعين إِلى الآخر ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ﴾ ملبسه من الباطل يسر شيطان الجن إِلى شيطان الجن قولا فى إِغواءِ المؤمنين وفى زيادة إِغواءِ غير المؤمن ، يقول شيطان من الجن لآخر منهم : أَغويت صاحبى بكذا فأَغوه أَنت به ، وكذا يقول له الآخر ، وإِما على أَن الشيطان بعض من الإِنس وبعض من الجن ، فالذى من الجن يوسوس الذى من الإِنس ، فذلك بعض إِلى بعض ، ولو لم يتم من الجانبين ، وقد يطلق الزخرف على المزين الذى هو الحق ، والمراد الأَول لقوله ﴿ غُرُوراً ﴾ أَى لأَجل الغرور ، أَو غارًّا ، أَو ذا غرور ، أَو يغرون غرورا ﴿ وَلَو شَاءَ رَبُّكَ ﴾ أَن لا يفعلوا فيكونوا مؤمنين ، ومفعول المشيئة هو مضمون الجزاء على القاعدة كما رأَيته ، وقد بعضهم ولو شاءَ ربك إِيمانهم ، وهو تفسير معنى ، أَو تفسير صناعة بأَن اعتبر ما علق به فعل المشيئة سابقا قبل هذا وقال لو شاءَ ربك ، وفيما يأْتى لو شاءَ الله لأَن ما هنا بعد ذكر العداوة فناسب أَن يذكره بعنوان الأُلوهية المنافية للشرك ﴿ مَا فَعَلُوهُ ﴾ أَى ما فعلوا الغرور فى حقه A وفى حق إِخوانه من الأَنبياء عليهم السلام ، وفى هذا أَيضا رد على المعتزلة ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ اترمهم مع ما يفترونه ، أَو مع افترانهم ، أَو اتركهم واترك افتراءَهم أَو ما يفترونه من الكفر وما دونه من المعاصى مما زين لهم ، أَى ما عليك إِثمهم ، فقد بلغت وليس حسابهم أَو توبتهم عليك ، وهذا مما يقوله الله له ولو بعد نزول القتال ولا نسخ لهذا بآية القتال كما زعم بعض .