146
الجزء ٣ · صفحة ٦٣﴿ وَعَلى الَّذِينَ هَادُوا ﴾ لا على غيرهم ممن قبلهم ومن بعدهم ، فهذا رد عليهم إِذ قالوا : أَلسنا بأَول من حرمت عليهم وأَنها كانت محرمة على نوح وإِبراهيم وما بينهما ومن بعد إِبراهيم حتى وصل الأَمر إِلينا ، وقدم على قوله ﴿ حَرَّمْنَا ﴾ لحصر أَى ما رحمنا إِلا عليهم ﴿ كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ ما له أَصبع ، فحل لهم ذوات الأَظلاف وهى البقر والغنم والظباء ، لأَنه لا أصبع لها ، وحرم عليهم ما له أصبع منفرجة كأَنواع السباع والكلاب والسنانير ، أَو غير منفرجة كالإِبل والنعام والأَوز والبط . وعن عبد الله بن مسلم : ذو الظفر كل ذى مخلب من الطير وكل ذى حافر من الدواب ، وتسمية الحافر ظفرا استعارة ، ولا يخفى أَنه لا يحسن حمل الظفر على الحافر ، والحافر لا يكاد يسمى ظفرا فالظفر المخلب ولا يخفى أَنه ليس معنى الآية : حرم الله عليهم كل حيوان له حافر . فالآية تدل أَن البقر والغنم يحلان لهم ، وأَغرب منه قال : المراد تحريم الإِبل ، وعبارة بعض : ذو الظفر ما لم يكن مشقوق الأَصابع من البهائم ولاسطير كالإِبل والنعام والوز والبط ، وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا حرم عليهم ، وبحث فى ذلك بأَن الأَصل الحقيقة والحافر لا يسمى ظفراً إِلا مجازاً ، أَو بأَنه لو كان الأَمر كذلك لوجب أَنه تعالى حرم عليهم كل ذى حافر وليس كذلك ، فإِن الآية تدل على إِباحة البقر والغنم مع أَن لها حافراً فالأُولى حمل الظفر على مخالب الطير وبراثن السباع ﴿ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ﴾ متعلق بقوله تعالى ﴿ حَرَّمْنَا ﴾ على أَن من للبتداء ، أَو حال من قوله ﴿ عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ واجبة التقديم ، ولو أخرت لعاد الضمير إِلى متأخر لفظاً ورتبة ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الْحَوَايَا ﴾ جمع حوية بكسر الواو وشد الياء كوصية ووصايا على القياس ، وقيل أَو جمع حاوياءَ كقاصعاءَ أَو حاوية كزاوية وزوايا ، وعلى الأَول أَصله حوائيى بوزن فعائل فتحت الهمزة تخفيفاً وقلبت الياء بعدها أَلفاً ، وعلى الثانى وزنه فواعل حذفت أَلف التأْنيث وهمزته اللتان فى المفرد ، وكذا الثالث قلب الواو الذى هو عين الكلمة همزة والهمزة ياء وفتحت ، والباء الأَخيرة أَلفاً أَى ما حملت الحوايا من الشحم وهى الأَمعاء ، وهى المصارين والمباعر ، والعطف على ظهور ، أَو يقدر مضاف فالعطف على ما ، أَى شحوم الحوايا ، قال بعض المتقدمين : العطف على شحوم فتكون الحوايا محرمة . روى عن ابن عباس أَن الحوايا غير شحم وأَنه المباعر . وقيل المرابض ، وهى بنات اللبن ، وقيل المصارين والأَمعاء ، أَو بمعنى الواو ، وكذا فى قوله ﴿ أَو مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ من الشحم ، وسائر الشحم حرام عليهم ، وهو شحم الفؤاد وشحم الكليتين والشحم الذى يغشى الكرش والأَمعاء ، وأَو بمعنى الواو ، ويجوز أَن تكون للتنويع ، وشحم الحوايا حلال وباقيها لحم حلال ، وقيل عطف الحوايا على ما ، وليس كما قيل أَن الحوايا وما اختلط معطوفان على شحوم وأَنهما محرمان وهو خطأ ﴿ ذَلِكَ ﴾ التحريم مفعول ثان لقوله ﴿ جَزَيْنَاهُمْ ﴾ أَى جزيناهمم ذلك التحريم لأَن جزى يتعدى لاثنين تارة وبالباء أخرى ، كما يجوز أَن يجعل مبتدأ أَو الرابط محذوف ، أَى ذلك التحريم جزيناهم به ، وهذه الباء للتعدية والتى فى قوله تعالى ﴿ بِبَغْيِهِمْ ﴾ للسببية ، أَى بسبب ظلمهم ، كما قال الله جل وعلا