27
الجزء ١٠ · صفحة ١٩٨﴿ لَقَد صَدَق اللَّهُ ورسُولَه الرُّؤيا بالحقِّ ﴾ يتعلق بمحذوف معفول مطلق ، أى صدقا مقترنا بالحق الذى هو ضد الباطل ، وهو الغرض الصحيح ، والحمة البالغة ، وهو ظهور الشاك فى الدين ، والراسخ فيه ، ولذلك أخر الرؤيا الى العام القابل بعد الحديبية ، أو حال من الرؤيا أى مقترنه بالصدق ، لا أضغاث أحلام ، أو من لفظ الجلالة ، أو رسول الله أو متعلق بصدق وقوله : ﴿ لتَدخلنَّ المَسْجْد الحرام ﴾ جواب قسم محذوف ، أى والله لتدخلن والوفق على بالحق ، أو بوقف على الرؤيا ، ويجعل بالحق قسما جوابه لتدخلن ، فيكون الحق اسما لله تعالى أو ليدنه ، ودينه مخلوق وهو التكليف به ، والله يجوز به القسم بخلقه ، ولا يجوز لنا القسم بغير الله إلا أفعاله ، فيجوز لنا القسم بها وهى غير الله تعالى ، بخلاف صفاته فانها هو .
وصدق يتعدى لواحد يقال : صدق زيد فى قوله وفى فعله ، ولاثنين تقول : صدق الناس زيدا قولهم وفعلهم ، كما فى الآية ، وكذا كذب ، والذى بالحرف فيهما هو الثانى والصدق والكذب يكونان فى القول والفعل ، وما فى الآية من الفعل ، وقيل الثانى منصوب على نزع الجار ، رأى رسول الله A قبل الخروج الى الحديبية أنه وأصحابه دخلوا مكة آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين وهو الصحيح ، وعن مجاهد أنه رآها فى الحديبية ، والجمهور على الأول ففرحوا ، وظنوا أن ذلك فى عامهم أو سفرتهم سفرة الحديبية ، وقالوا : إن رؤيا الرسول حق ، ولما تأخر قال بعد الله بن أبى ، وعبد الله بن نفيل ، ورفاعة بن الحارث معرضين بكذبه حاشاه A : والله ما خلقنا ولا قصرنا ، ولا رأينا المسجد الحرام ، فنزلت الآية ، وقال عمر رضى الله عنه مصدقا طالبا لتفسر الرؤيا ، وليس فى كلامه A اشتراط المشيئة ، وهى فى الآية كما قال الله D :
﴿ إنْ شَاء الله ﴾ الله عالم بوقوع ما يقع ، وبعدم وقوع ما لا يقع فالشرطية تعليم للخلق أن يستثنوا فيما لا يعلمون ، واشارة الى أن دخول المسجد الحرام لمشيئته لا لجلادتهم وتدبيرهم ، وقيل : الشرطية راجعه الى المخاطبين مثل ما قيل فى صيغة الترجى فى كلام الله تعالى أنها راجعة اليهم ، وبحث بأن تغليب الشاكين لا يناسب المقام ، بل الأمر المناسب تغليب غير الشاكين ، وان أريد بالشاكين المؤمنون صح بأن يعتقدوا أن دخول المسجد الحرام يكون ان شاءه الله تعالى ، وقيل : لتدخلن المسجد الحرام كلكم ان شاء الله ، وليس هذا مغنيا فى الجواب ، لأنه تعالى جازم بأنهم يدخلونه جميعا ، ولا شك فى المشيئة ، وان قضى أن يدخله بعض دون بعض دخله بعض فقط ولا شك .
ثم ظهر وجه آخر لا اشكال فيه ولا حذف ، هو أنه أجرى الأمر على الابها ، كأنه قيل : ان شاء الله دخلتموه ، ولا مانع فانتظروا فما وقع ، فهو مشيئته الأزلية كأنه قيل الأمر راجع الى مشيئته ، وقد شاء دخوله ، أو ان شاء دخلتم كلكم ، وان شاء دخل جلكم ، وقد شاء ما وقع من ذلك بعد دخول الجل إذ مات بعض كما قيل : ان قوله « ان شاء الله » كناية عن أن بعضا يموت قبل الدخول ، وقيل ذلك من ملك الرؤيا ترجح عنده الدخول فأكده ، واستثنى المشيئة ، وكذا إن قيل ذلك الاستثناء منه A فى اليقظة ، ورد بأنه لم يقل قال محمد : ان شاء الله ، وكيف يدخل كلام غير الله فى كلام الله تعالى بلا حكاية ، ويبعد ما اجيب به من أن جواب القسم بيان للرؤيا وقائلها فى المنام ملك ، وفى اليقظة رسول الله A ، فهى فى حكم المحكى ، وقول الرسول : ان شاء الله أقل بعدا من قول الملك : ان شاء الله ، ولا يثبت ما قيل أن بمعنى إذ ، كما قيل فى قوله تعالى :