تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

10

الجزء ١٠ · صفحة ١٧١

﴿ إنَّ الَّذين يُبايعُونَك ﴾ يوم الحديبية على الموت ، عند سلمة ابن الأكوع وعلى ، أن لا يفروا عند ابن عمر وجابر ، وفى البخارى ومسلم عن زيد بن عبيد ، قلت لسلمة بن الأكوع : على أى شىء بايعتم رسول الله A ؟ قال : على الموت ، وفى مسلم ، عن معقل بن يسار : لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبى A يبايع الناس ، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه A ، ونحن اربع عشر مائة ، ولم نبايعه على الموت ، بل على أن لا نفر ، ويجمع بين الحديثين بأن جماعة بايعته على الموت يقاتلون حتى يموتو أو ينصروا ، أو يكون امر من الله D ، منهم : سلعة وجماعة على أن لا يفروا ، منهم : معقل ، والمضارع للحال الماضية المحكية .

وقيل : نزلت قبل الحكاية الحال الماضية لأن الآية بعد المبايعة ، والمبايعة الانقياد للطاعة ، وفى ذلك تلويح الى قوله تعالى : ﴿ ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ﴾ الخ اذا بايعوه على الموت ، وهذا فى قول ابن الأكوع ، وبيعته الحديبية هذه بيعة الرضوان ، والياء مشددة عند عامة المحدثين ، وتخفيفها أفصح ، وهى قرية ليست كبيرة ، بينها وبين مكة مرحلة أو أقل ، سميت ببئر هنالك ، وجاء فى الحديث : « أن الحديبية بئر » ويقال شجرة حدباء ، ولعلها حدبت عليه A وقيل : كانت حدباء قبل نزوله .

﴿ إنَّما يُبايعُون الله ﴾ يُطيعون الله ، وسمى اطاعته مبايعة لمشاكلة قوله تعالى : ﴿ يبايعونك ﴾ أو سماها مبايعة تسمية للمسبب أو اللازم بلفظ السبب أو الملزوم ، فان المبالغة تستلزم الطاعة وتتسبب لها ، وانما كانت مبايعته A مبايعة لله تعالى ، لأن المقصود من مبايعته امتثال أوامره ﴿ يَد الله فوق أيديهم ﴾ منه الله تعالى بالهداية فوق نعمهم التى هى مبايعة كل واحد منهم رسول الله A ، فانه الذى وفقهم للبايعة ، قال الله تعالى : ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تَمنُّوا علىَّ اسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان ﴾ وقال الزجاج : يد الله فى الوفاء فوق أيديهم فيه ، أو يد الله فى الثواب فوق أيديهم فى الطاعة ، كما قال الزجاج ، أو قوته تعالى ونصرته فوق قوتهم فيها ، فثق بنصره تعالى لا بنصرتهم ، ولو بايعوك ، وذكر لك بيد الله مشاكلة لقوله : ﴿ أيديهم ﴾ أو أيديهم على شاهدها .

ويد الله نعمته أو ما مرّ ، وعلى كل حال من يطع الرسول فقد اطاع الله ، كما قال الله D ، وقيل : وفى اليد استعارة تخييلية مبنية على استعارة مكنية ، هى أنه شبه الله تعالى بانسان مبايع ، ورمز لذلك بلازم الانسان ، وهو اليد ، قلت : يقبح أن يقال : شبه الله بكذا ، ولو كان المعنى على غير التشبيه ، والا فقل شبه فعله تعالى وهو نصره ، لأن فعله تعالى مخلوق له تعالى بالانسان ، ورمز باليد .

٤٬٦٧١ / ٦٬٠٩٣