26
الجزء ١٠ · صفحة ١٩٣﴿ إذ جَعَل الذين كَفروا ﴾ اذكر اذ جعل ، أو هى ظرف لعذبنا ، او بصدوكم أو بأحسن محذوفا أى أحسن الله تعالى اليكم أيها المؤمنون إذ جعل الذين كفروا الخ ومحط الاحسان قوله : ﴿ فأنزل الله سكينته ﴾ الخ ، والذين فاعل جعل ، وقوله : ﴿ فى قُلوبِهِم ﴾ مفعول ثان وقوله ﴿ الحميَّة ﴾ مفعول أول ، أى صيروا فى قلوبهم الحميَّة ، أو جعل متعد لواحد بمعنى ألقى يتعلق به فى ، ولا بأس بتسمية كسب الحميَّة الفاء ، أو تصييراً ، ومن التخليط قول بعض : انه يجوز جعل فاعل جعل ضمير الله ، وفى قلوبهم بيان لمحل الجعل ، وأن مرجع المعنى إذ جعل الله فى قلوب الذين كفروا الحمية نظرا الى معنى جائز فى الجملة ، وغفل عما فيه من فساد الإعراب ، ومخالفة المعنى المراد ، أو تكلف تقدير فى داخلة على الذين ، والحمية المعاونة على الباطل لصحبة او قرابة أو منفعة ، ولو لم يكن غضب .
﴿ حميَّة ﴾ بدل أو بيان ﴿ الجاهليَّة ﴾ أى الملة الجاهلية ، وأجيز أن تكون الإضافة بيانية ، أى حمية هى الخصلة الجاهلية ، ومن الحمية الجاهلية قول قريش يوم الحديبية ، لا يدخل محمد علينا أبدا ، وامتناعهم من ترك آلهتهم ، وليس من الأعراب فى شىء قول بعض الحمية الناشئة من الجاهلة ، ويجوز الحمية الاسلامية ، بل تجب وهى الاعانة على دين الله D ، والجاهلية نسب الى الجاهلين أو الجهلاء بحذف علامة الجمع ﴿ فأنزل الله سَكينَته عَلى رسُوله وعَلى المُؤمنين ﴾ الوقار الذى ملك لله تعالى ، ومنها حلم المؤمنين عن أن يبطشوا بالمشركين يوم الحديبية ، إذ منعوهم عن البيت بعد أن هموا بالبطش ، والجملة عطفت على جعل ، أو صدوكم أى اذكر إذ جعل ، فأنزل أو صدوكم فأنزل ، وان علقنا إذ بعذبنا كان العطف على محذوف ، أى لم يتزيلوا فلم نعذب ، فأنزل الله ، وان علق بأحسن لله إليكم كان العطف على أحسن الله إليكم .
لما وصل رسول الله A ذا الحليفة قلد الهَدى وأشعره وأحرم بالعمرة ، وبعث بين يديه عينا من خزاعة يخبره عن قريش ، ورجع اليه فى غدير الأشطاط قريبا من عساف ، فقال له : ان قريشا أجمعوا أن يقاتلوك بالأحابيش وجمع جمعوها ، وصادوك عن البيت ، فاستشار أن يغير على ذرارى من يعينهم ، فقل الصديق : يا رسول الله ما جئنا الا للعمرة ، ولا نقاتل حتى يمنعونا عن البيت ، فقال A : « سيروا على اسم الله تعالى » وقال له بديل بن ورقاء الخزاعى وجماعة جاءوا معه إذ نزل أقصى الحديبية : تركنا كعب بن لؤى وعامر بن لؤى نزلوا قريبا ليقاتلوك ويصدوك عن البيت ، فقال A : « جئنا للعمرة لا للقتال وان قريشا نهكتهم الحرب فليخلوا بينى وبين سائر العرب فان أصابونى فذلك أرادوا وان ظهرت عليهم دخلوا فى الاسلام وافرين ، وإلا قاتلتهم وبهم قوة ، فوالله لا أزال أقاتل على دين الله حتى يظهره الله أو أموت » .