تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

17

الجزء ١٠ · صفحة ١٨٢

﴿ لَيسَ عَلى الأعْمَى حَرجٌ ﴾ ضيق أو اثم فى تخلفه ، وذلك نفى للوجوب كما عبر بعلى ، وان خرج الأعمى بقائد جاز ، كما غزا ابن مكتوم ، وكان أعمى ، وحضر فى بعض حروب القادسية ، وكان يحمل الراية ﴿ ولا عَلى الأعْرج حَرجٌ ﴾ فى التخلف وان خرج جاز ﴿ ولا على المَريض حَرجٌ ﴾ فى التخلف ، وإن خرج جاز ، ومثل المريض المقعد وصاحب السعال الشديد ، وصاحب الطحال الكبير ، والفقير الذى لا يجد زادا أو سلاحا أو ما لا بد له منه ، أو لا يجد من يقوم بالكسب لأهله ، ومن لا يجد من يقوم بمريضه ممن لا بد له من قائم عيه ، والجواز فى ذلك كله فى رجاء نفع ما بلا القاء نفس فى التهلكة ، فقد قال الله D : ﴿ ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة ﴾ ولا تلقوا أنفسكم .

وقدم الأعمى فى العذر لأنه لا يبصر العدو ، ولا الى أين يضرب ، ولا قدرة له على الحرض بخلاف الأعرج ، فله قدرة على الحرص والنظر وغيره ، وقدم الأعرج على المريض ، لأن المريض قد يتحامل ويشفى . ﴿ ومَن يُطِع الله ورسوله ﴾ فى الأمر والنهى ﴿ ندخِله جنات تجرى من تَحتْها الأنهار ومن يتول ﴾ عن الاطاعة ﴿ نُعذُّبه عذاباً أليماً ﴾ لا يدرك قدره غير الله سبحانه وتعالى ، والمراد بالمطيع والمتولين هنا ما يعم الخلفين والخارجين من الحديبية وغيرهم ، وفيما قبل هذا المتخلفون والخارجون فقط ، وقال : « نعذبه » ولم يقال ندخله نارا كما يناسب « ندخله جنات » على طريق الاعتناء بالعذاب ، فان التعذيب يستلزم إدخال النار ، وإدخال النار لا يستلزم التعذيب فى الجملة ، فان الملائكة تدخلها كذا قيل ، وفيه أن التعذيب لا يستلزم النار لا مكانه بلا نار ، وما هنا مؤكد لما قبله ، وذكر المؤمنين الخلَّص يوم الحديبية بقوله :

﴿ لقَد رضىَ الله عن المؤمنين إذ يُبايعُونك تَحت الشَّجرة ﴾ هم السائرون يوم الحديبية الا جد بن قيس من بنى سلمة ، فلم يبايع لنفاقه كما مر ، استتر ببطن بعيره ، وقال جابر بن عبد الله : كأنى أنظر اليه لاصقا بابط ناقته ، مستترا من الناس ، وتسمى بيعة الرضوان ، لقوله تعالى : ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

ما نزل رسول الله A فى الحديبية ، بعث خراش ابن أمية الخزاعى بكسر الخاء ، على جمل له A ، يقول عنه A : « انه جاء للعمرة لا للقتال » فعقروا جمله ، وأرادوا قتله ، فمنعه الأحابيش ، فدعا عمر ليبعثه اليهم فقال : يا رسول الله عرفت عدواتهم لى ، ولا أحد من بنى عدى يمنعنى ، ولكن ابعث عثمان فانه محبوب فيهم ، وفيهم عشيرته ، فبعثه الى أبى سفيان وأشراف قريش ، وقال : « أخبرهم انى لم آت لقتال بل للعمرة وادعهم للاسلام »

٤٬٦٨٢ / ٦٬٠٩٣