4
الجزء ١٠ · صفحة ١٦٥﴿ هُو الذى أنزل السَّكينَة فى قُلوب المُؤمنين ﴾ الطمأنينة والثبات بعد الخوف بالفتح المذكور ، فلا تضطرب النفس حتى تذعن لصلح الحديبية ، ولا يفروا فى الحرب ، ولا عرض عن حق ، وعن ابن عباس : كل سكينة فى القرآن فى الحرب ، ولا تعرض عن الحق ، وفى التعبير بالانزال ايماء الى علو شأن الطمأنية ، وذلك انزال من علو للشىء أولأسبابه ، ويجوز أن يكون الانزال بمعنى الاسكان ، كما تقول : أنزلت الضيف فى دارى ، وقيل : السكينة ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه ، ما قال على : ان السكينة لتنطق على لسان عمر ، وعن ابن عباس : السكينة الرحمة ، وقيل : السكينة العقل ، لأنه يسكن عن الميل الى الشهوات ، وعن الرعب ، وقيل : العظمه لله ورسوله ، وقيل : السكون الى الشرع كما قال :
فيم الاقامة بالزوراء لا سكنى … فيها ولا ناقتى فيها ولا جملى
﴿ ليْزدادوا ايماناً مَعَ إيمانهم ﴾ بأن يقوى فى قلوبهم ، وهو واحد فى نفسه كالعقل التام ، يقوى وينقص ، فالايمان يزداد وينقص ، وهو فى نفسه واحد ، ولو كان ازدياد بكثرة الأدلة والنظر ، كشجرة تنمو بالماء ، ونور مصباح ينموا بالزيت ، وكذا النقص ، وكذا فهم ابن عمر فقال : يا رسول الله الايمان يزيد وينقص؟ فقال A : « نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار » وعن عمر وجابر ، عنه A : « لو وزن ايمان أبى بكر بايمان هذه الأمة لرجح به » وأما اعتبار الايمان قولا وعملا فيزداد بزيادة العمل ، وينقص بنقص العمل ، أو تركه وزيادته بزيادة ما يؤمن به ، وزيادة نزول ما يعمل به ، وكلَّما نزل شىء زاد ايمانا به ، وكلما كان بالوحى عمل به ، وكذا حدوث علم بعمل ، فلا ينبغى الخلاف فى ذلك ، وانما هو فى التصديق ينمو وينقص ، والا لزم أن يكون ايمان الملائكة والأنبياء الأولياء ، وايمان الفاسق سواء ، وليس كذلك ، بل الانسان الواحد يقوى تصديقه فى مسألة تارة وينص فيها أخرى ، وقال جماعة : الايمان بمعنى التصديق لا يزيد ولا ينقص ، وبه قال حنيفة ، وامام الحرمين ، لأنه لو نقص لم يكن تصديقا ، قلنا : لا يزيد بل ينقص مع بقاء أصله كشجرة تذبل ، ونور ينقص بنقص الزيت ، توقن أن لك كما زعموا ألفا من جهة كذا ، وتنسى الجهة ويبقى اليقين ، وتوقن أن الله تعالى قديم اذ لو حدث لكان بمحدث ، وتذهل أو تنسى اللوية فينقص .
﴿ ولله جنود السَّموات والأرض ﴾ فهو قادر أن ينصرك بما شاء ، ولو مع قلة عددكم ، ومن جنوده : الطاعة والصيحة ، أو المراد أن الملائكة ، وجنود الأرض الحيوانات ، وجنود السموات الصاعقة والصيحة والحجارة ، وجنود الأرض الخسف والزلزلة والغرق ، أو المراد أن فى ملكه الجنود خلقها وابتلى بعضاً ببعض فقتل بعض بعضا تارة ، فيكون النصر بأيديكم ، فلكم الأجر ، وعلى عدوكم العقاب ، واصطلحوا تارة أخرى ، كما اصطلحوا يوم الحديبية بحسب الحمة .