11
الجزء ١٠ · صفحة ١٧٤﴿ سَيقُول لك الخلَّفون ﴾ الذين تركتموهم خلفكم ، ولم يخرجوا معكم الى مكة عام الحديبية معتمرين ﴿ مِن الأعراب ﴾ عرب البدو لا واحد له من لفظه الا بالنسب ، تقول : جاء أعرابى ، وقل مفرده عرب على العموم ، ثم خص بأهل البدو ومنهم ، والمخلفون منهم : جهينة ، ومزينة ، وغفار ، وأشجع ، والصمايل ، أو سلم ، وديل ، ونخع ، طلبهم رسول الله A ليخرجوا معه للعمرة حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب ، أو يصدون عن البيت ، وأحرم هو A ، وساق معه الهدى ، ليعلم أنه ما أراد حربا ، فامتنعوا لما رأوا أنه استقبل A عددا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والأحابيش ، وهم القبائل المجاورون حول مكة ، وقالوا : كيف نذهب الى قوم عزوه فى داره وقتلوا أصحابه؟ وقالوا ولم يتمكن الايمان فى قلوبهم : لن يرج محمد وأصحابه من هذه السفرة ، فأوحى الله تعلى اليه بما قالوا ، فأخبرهم بما قالوا قبل أن يصل اليه رسولهم به ، وباعتذارهم المذكور فى قوله تعالى : ﴿ شَغَلتْنا ﴾ عن السفر معك الى مكة للعمرة ﴿ أموالنا وأهْلونا ﴾ اذ لا حافظ لها بعدنا ، وأخروا ذكر الأهل للترقى ، بأن يذكروا شيئا فشيئا فيختموا بما يكون حجة لا ترد ، وان رد ما قبلها لا للاهانة ، لأن المحافظة على النسوة والمماليك والأولاد أهم عند ذوى الغيرة ، من المحافظة على الأموال ، وذلك مطبوع فى القلوب .
﴿ فاسْتَغْفر لنا ﴾ ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك ، فانه لم يكن لتكاسل أو لحب خذلان لك ، بل لذلك الشغل ، وقوله تعالى : ﴿ يقُولُون بألْسِنَتهم ما لَيسَ فى قلوبهم ﴾ مستأنف لتكذيبهم إذ قالوا : تخلفنا لذلك الشغل ، وفى قلوبهم أنهم تخلفوا لخذلانه ، ولخوف أن يقتلوا وبخلا بمئونة السفر ومشقته ، وإذ طلبوا الاستغفار طلب المعترف بالذنب ، وفى قلوبهم أنهم لم يذنبوا فى تخلفهم ، وأطلت الكلام على الكذب عند النظام وغيره فى موضع آخر .
﴿ قُل ﴾ رداً عليهم ﴿ فمن يمْلكُ ﴾ عاطفة فى الأصل على كلامهم ، وأما فى الحال فمما نصب بالقول ، كأنه قيل اعطف على كلامهم بقولك ، فمن يملك أو فى جواب شرط محذوف ، والكل وما بعده منصوب بقول ، أى قل ان كان ذلك فمن يملك الخ ، والملك التغلب على الشىء بقوة وضبط ، قال شيخ من العرب : أصبحت لا أملك رأس البعير ، ان نفر ، أويقال : ملكت العجين اذا شددت عجنه ، فمعنى الآية من يستطيع لكم امساك شىء من قدرة الله تعالى ان أراده بكم ﴿ لَكُم ﴾ هذه اللام صلة للفعل قبلها وهى للتمليك والنفع ، والقول بأنها للبيان ، أى أعنى لكم تخليط وزيادة معنى غير مراد ﴿ مِن الله ﴾ من للابتداء متعلق بيملك كما تعلقت به اللام ، أو بمحذوف حال من قوله : ﴿ شيئا ﴾ نفعا ، أو دفع ضر ، ودفع الضر نفع فصح أن اللازم للتملك والنفع ، ولا ينافى هذا النفع عموم قوله : ﴿ شيئا ﴾ للضر لما عملت أن دفعه بقوله :
﴿ إن أراد بكُم ضرا ﴾ ايقاع الضر ﴿ أو أراد بكُم نفْعاً ﴾ ايقاع النفع ، والضر والنفع باقيان على المعنى المصدرى ، ويجوز تفسرهما بمعنى الوصف أى الأمر الضار أو النافع ، كأنه قيل : ما يضر وما ينفع ، وقدر بعض من يملك لكم شيئا ان أراد بكم ضرا أو من يحرمكم النفع ، ان أرا بكم نفعا ، وهذا تفسير ليملك بدفع المضرة هنا ، كقوله تعالى :