27
الجزء ١٠ · صفحة ٢٠٠﴿ لا تَخافُون ﴾ حال مؤكدة من فاعل تدخل ، ومن المستتر فى آمنين ، والخوف من العدو ، وان كان الخوف من تباعة فى التحليق أو التقصير ، أو نقص ثواب فمؤسسة ، وان جعلناه حالا من المستتر فى محلقين ، ويقدر مثله للمقصرين أو بالعكس فمؤسسة أيضا إذ لا شعور التحليق أو التقصير بانتفاء الخوف ، أو الجملة مستأنفة كأنه قيل : إلا من حال الدخول فكيف ما بعده ، فقال لا تخافون بعده ، كما لا تخافون قبله ﴿ فعَلم ما لَم تَعلمُوا ﴾ الفاء للترتيب الذكرى ، وإن أولنا علم بمعى ظهر علمه فالترتيب على أصله زمانى ، ولا يصح ما قيل من أن الترتيب باعتبار التعلق الفعلى بالمعلوم ، أى فعلم عقب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية لتقديم ما يشهد ، للصدق علما فعلياً ، لأنا نقول لا زائد فى ذلك على العلم الأزلى ، فان تلك الحكمة قد علمها فى الأزل ، بخلاف قوله تعالى : ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ الخ ، فانه اذا انتفى صبرهم علم بانتفائه ، ولم يجهل كما علم فى الأزل انه سينتفى .
﴿ فجَعَل ﴾ بسبب هذا العلم كما دلت عليه الفاء ﴿ من دون ذَلكَ ﴾ المذكور من الدخول فى أمن من العدو وما بعده ، أى قبل تحقق صلح الحديبية ، وما قيل بيعة الرضوان ، وقيل فتح خيبر ، وفيه أن فتحها بعد الحديبية لا قبلها ، وأجيب بأن المراد بالجعل الوعد المنجز عن قريب ، يستدل به على صدق الرؤيا ، ويستر يجوز اليها ، وقيل الفتح القريب فتح مكة ، فيكون المعنى ما لم تعلموا من الحكمة فى تأخير فتح مكة الى العام القابل ، ومعنى دون ذلك غير ذلك ، ويرده أن الواقع فتح مكة فى العام الثامن لا فى العام القابل بعدد دخولهم آمنين إلا إن أراد بالعام القابل العام الثامن أو أراد بفتح مكة دخولها آمنين ، وذلك خلاف ظاهر عبارته ، ويرده أيضا الفاء ، لأن علمه متقدم على ارادة الرؤيا ، ويجاب بأنها للترتيب الذكرى ، وبأن علم بمعنى ظهر علمه لكم ، وهو علمه بالحكمة .