تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

49

الجزء ١٠ · صفحة ٤٨٩

﴿ إنَّا كلَّ شَىءٍ ﴾ منصوب على الاشتغال فهو بفعل الخبر ، أى إنا خلقنا كل شىء ﴿ خَلقْناهُ ﴾ فهذه الجملة المحذوفة خبر ان ﴿ بقَدرٍ ﴾ متعلق بخلق المذكور لا المحذوف ، فخلقناه المذكور مؤكد للمحذوف ، ولم ينسحب التويكد على بقدر ، لو قدر مثله للمحذوف لانسحب عليه التوكيد ، إنا خلقنا كل شىء بقدر ، خلقناه بقدر ، لكن لا حاجة الى تقديره ، ولا دليل ونصب كل دليل على تقدير الناصب فقط ، ولو لقنا بقدر المذكور لا بخلق المحذوف لم يحصل التأكيد أيضا إلا على تقدير مثله لخلق المذكور ، ولرفع كل كما هو قراءة شاذة لكان خبره وقوله : ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وهو المعنى المراد ، فيحتمل أن يكون قوله : ﴿ خلقناه ﴾ نعتا لشىء ، ويقدر خبر كل فيكون المعنى كل شىء متصف بأنه مخلوق لنا بقدر ، فربما توهم أن ثم شيئا غير مخلوق لله تعالى ، فلا يبطل الا بخارج وهو سائر الآيات ، والدلائل التى نصبت أنه خالق سواه ، فالنصب أولى لأنه لا احتمال معه .

ومعنى بقدر بتقدير ، أى باحكام واستيفاء لا مهملا ، فذلك كقوله تعالى : ﴿ وخلق كل شىء فقدره تقديرا ﴾ أو المعنى بمقدار مخصوص أو المعنى أنه مكتوب فى اللوح قبل خلقه ، الآية رد على من نفى القدر عن الله D ، خاصم قريش رسول الله A فى القدر ، فنزل : ﴿ يوم يسحبون ﴾ الى ﴿ بقدر ﴾ رواه أبو هريرة ، وهو يقتضى أن يوم منصوب باذكر ، وقال A : « صنفان من أمتى ليس لهما فى الاسلام نصيب المرجئة والقدرية » نزل فيهما ﴿ إن المجرمين ﴾ الى ﴿ بقدر ﴾ رواه ابن عباس ، وكان ابن عباس يبغض القدرية جدا ويقول : لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ، ثم قال : الزنى بقدر ، والسرقة بقدر ، وشرب الخمر بقدر ، قال مجاهد : قلت لابن عباس : ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟ قال : أجمع بينى وبينه ، قلت : ما تصنع به؟ قال : أخنقه حتى يموت .

وعنه A : « لكل أمة مجوس ومجوسا أمتى الذين يقولون لا قدر ، ان مرضوا فلا تعودوهم ، وان ماتوا فلا تشهدوهم » أو كل شىء له مقداره الذى قضاه الله له ، وعن ابن عباس : كل شىء بقدر حتى وضعك يدك على خدك ، قال عمر : قال رسول الله A : « إذ جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فينادى نداء يسمعه الأولون والآخرون أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية فيأمر بهم الى النار » يقول الله : ﴿ ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر ﴾ سماهم خصماء الرحمن لأنهم ينفون قدرة الله على أفعالهم فقالوا : انهم خلقوا أفعالهم ولم يخلقها الله ، وقالوا : لا يقدر أن يخلق المعصية ويعذب عليها فاعلها ، ولا يعلمها حتى تقع .

وأما من قال لا يعلم شيئا حتى يقع معصية أو غيرها فقد انقطعوا ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : سمعت رسول الله A يقول : « كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام ، وعرشه على الماء ، وذلك كتابة فى اللوح المحفوظ ، وإلا فلا أول لعلمه لأنه صفة أزلية » ومن القدرية المعتزلية .

٤٬٩٨٩ / ٦٬٠٩٣