تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

25

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٧

﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ يارب ﴿ إِنِّى لاَ أَملِكُ إِلاَّ نفْسِى وَأَخى ﴾ لا أَملك غيرهما فأَجبرهم على القتال ، يحتمل أَن يكون تشبيه القلة بانفراده وأَخيه ، شكا إِلى الله مخالفة قومه له حتى أَنه لم يبق منهم من يثق به سوى أَخيه هارون فانه كنفسه ، وأَما يوشع وكالب فهما ثقتان إِل أَنه لم يجزم بهما جزمه بأَخيه لما اعتاد من تلون قومه عامتهم وخاصتهم ، ويجوز أَن يريد أخوة الدين وأَن الإِضافة للحقيقة فشملهما وكل من يؤاخيه فى الدين ، وهذ ضعيف لأَنه لا يرجو سوى من يؤاخيه فيه ، اللهم إِلا أَن يريد الخواص من جملة من يؤاخيه فيه ، ويجوز أَن يكون من العطف على معمولى عامل واحد كأَنه قيل وإِن أَخى إِلا يملك إِلا نفسه أَو على معمول عامل كأَنه قيل ولا يملك أَخى إِلا نفسه ، أَو أَخى لا يملك إِلا نفسه بلابتداءِ والإِخبار ، والماصدق فى ذلك كله واحد ، وعلى كل حال سمى التوثيق بشىءِ ملكا لأَنه يستعمله كما يستعمل مملوكه حيث شاءَ ﴿ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ بما يستحق كل منهم ومنا بإِدخالنا الجنة وبادخالهم النار ، قيل وبالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم ، وهذا يقضى أَن موسى وهارون لم يكنا معهم فى التيه لأَنه دعا بالتخليص منهم ودعاء الأَنبياء يستجاب ، والصحيح أَنهما فى التيه وليس كل دعاءِ نبى يستجاب فى نفس ما دعا فيه ، أَو الفرق بجزاءِ كل بما استحق فعاقبهم بالتيه وسهله لهما وللرجلين كما سهل النار على إِبراهيم وماتا فيه على الصحيح ، مات هارون قبله بسنة وقيل بستة أَشهر ونصف وقيل بثمانية أَعوام واتهموا موسى بقتله لحبهم له فتضرع إِلى الله فأَحياه فبرأَه فرجع ميتا ، وخرج كالب ويوشع وهو وصية فى قتال الجبارين وأَخبرهم أَنه نبىءِ بعد أَربعين سنة وفتحا بيت المقدس أَو كل الشام بعده بثلاثة أَشهر ، وقال قتادة بشهرين وقيل : مات فيه هارون وخرج موسى بعد الأَربعين وحارب الجبابرة وفتح أَريحاءَ ويوشع مقدمته ، وأَقام فيها ستة أَشهر وفتحها فى السابع ومات فيها ولا يعلم قبره ، وصحح هذا القول بعض . ﴿ قَالَ فَإِنَّها ﴾ الفاء عاطفة على افرق عطف اسمية إِخبارية على طلبية فعلية أَو على محذوفة أَى دعاءك مجاب فإنها ﴿ مُحَرَّمَةٌ ﴾ تحريم منع لا تحريم تعبد فلو دخلوها لم يعصوا لكن لا يتصور حصوله لأَن الله D لا يوقعه ، وأُجيز أَن يكون تحريم تعبد فلو دخلوها لعصوا ولا يتصور ﴿ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ هذا دليل على أَن مراد موسى بالفرق؛ الفرق فى الدنيا لأَنه دعا ودعاء الأَنبياء مجاب ، والأَصل فى الإِجابة طبق السؤال ، وبعد الأَربعين يدخلها من حيى منهم ، فالآية دلت أَن هؤلاءِ الفاسقين لم تموتوا كلهم فى التيه بل مات بعض وبقى وبعض ، وقد روى هذا وأَن موسى خرج بمن بقى منهم وبأَولادهم وفتح القرية ومقدمته مع يوشع وهو أَنسب بقوله

٧٦٧ / ٦٬٠٩٣