هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

25

الجزء ٧ · صفحة ٤٥٥

فقالوا : لا نعرف ذلك .

فقال : ولا أنا ولكن أمثلها كما رأيت فى المنام فجموع دنانير ودراهم وساروا إلى صائغ فى المدينة فقالوا له : اصنع لنا صوالج وكورة من هذه الدنانير والدراهم .

فقال لهم : لا أعرف ذلك يا وزراء الملك ولقد جازت علىَّ مائة وخمسون سنة ما سمعت أحدا فى المدينة يقول الصوالج ولا الكورة فقال له تمليخا : ولا نحن نعرفها ولكن أمثِّلها لك كما رأيت فى منامى فمثَّلها له فقال لهم : إنى أصنعها لكم فدفعوا إليه الدنانير والدراهم . فقالوا له : متى نرجع إليك؟

فقال لهم : إذا نامت العيون فتعالوا إلىَّ ندفعها إليكم .

فالصرف تمليخا وأصحابه إلى منازلهم وكان لتمليخا كرْم مثمر فباعه بخمسة وثمانين درهما من الدراهم دقيوس وكان الدراهم مثل حافر البغل مكتوبا عليه بالعبرانية لا إله إلا دقيوس فأخذها فى كيس وأخذ زاده ومشى مع أصحابه وأتوا الصائغ فى الوقت الذى وعدهم بعد أن لبسوا الحلى وجعلوا التيجان على رءوسهم وتطيبوا بالطيب وركبوا الخيل ثم وصولا إلى الصائغ ندفع لهم الصوالج والكورة ووضعها بين أيديهم فى الأرض وجلعوا يضربونها بالصوالج وكان لها دوى عظيم فجعل الناس يتعجبون ويضحكون . وأنساهم الله سبحانه ما أوصاهم دقيوس به . ولما انتهت إلى باب المدينة ضربها تمليخا فخرجت إلى الباب ففتحه البوابون فردها أحد الفتية بالضرب إلى المدينة ثم ضربها تمليخا فخرجت .

فقال الجليل جل جلاله لجبريل عليه السلام : اهبط الكورة واحملها بريشة من جناحك فهبط إليها جبريل عليه السلام أسرع من طرف العين فحملها بريشة يستدرجها من أرض إلى أرض وهم على أثرها يضحكون ويضربها الفتية حتى بلغت خمسة وثلاثنين ميلا فى وقت قريب فنظر تمليخا نحو المدينة فلم يرها ولا أحد من أهلها فقال : يا أصحابى ما فعلت المدينة؟

فقالوا له : لا علم عندنا الله أعلم ولا نعلم إلا ما علمنا .

فقال لهم : يا أصحابى اسمعوا منى فأنا أكبر منكم سنا ، وإنى عرفت الله قبلكم فأخلصوا قلوبكم إلى ما كان الله انزلوا على الخيل ، واتركوا التيجان والإكليل ، والبسوا ثياب الصوف ، وتحزموا بالحبال ، وخذوا زادكم نهرب بدينا إِلى إله السماء .

فقالوا له : كيف نطيق المشى حفاة ونحن أبناء الملوك تربينا على النعمة ولا نعرف المشى؟

فقال لهم تمليخا : يا أصحابى افعلوا ما أمرتكم به لعل إله السماء يغيثنا وينجينا من عدونا .

قال : ففعلوا ما أمرهم فبيناهم يمشون إذ براعم يرعى غنما على ربوة له كلب عظيم مجترئ ولما رآهم بادر إليهم ووضع لهم خده إلى الأرض وعيناه ناظرتان إلى السماء وبسط لهم ذراعيه وأخرج لهم لسانه وجعل يحرك ذَنَبه وعينانه تذرفان بالدموع . فقال الراعى : الله أكبر ما رأيته خضع لأحد إلا لهؤلاء وكان للكلب قبل يصقر الفارس .

٣٬٤٥٥ / ٧٬٦٨٠