هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

25

الجزء ٧ · صفحة ٤٥٩

فقال له : فى هذه المدينة ولدت وفيها تربيت وفيها قرأت التوراة والإنجيل والله ما سمعت أحدا يذكر دقيوس . فقال له : إن كان الحق ما تقول فدلنى على سوق الخبازين فسار به إلى السوق فإذا هو سوق من رخام مشبك بالحرير وعلى الخبازين الثياب الحسنة وعمائم متطيبين بأيديهم مراويح وعلى تلك الألواح الخبر وعلى الخبر مناديل الديباج فقال لفتى منهم : السلام عليك باخباز فقال له : وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته فقل تمليخا : اشهد أن لا إله إلا الله فقال الخباز : نعم أشد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن عيس روح الله ورسوله . فقال له تمليخا : سألتك بالله العظيم انظر فى وجهى هل كنت نائما أو يقظان فقال : كيف تكون نائما وأنت تكلمى وأكلمك . فقال له تمليخا : إن كان الحق ما تقول فما الذى فى يدى فقال الخباز : إن بهديك درهمين صحيحين . فقال تمليخا : إن كنت يقظان فخذ هذين الدرهمين وأعطنى ما أتزود به أنا واصحابى تركتهم جياعا عطاشا فوضع الدرهمين فى يد الخباز فأنكرها الخباز وقال : يا فتى الصدق أمانة والكذب خيانة إن كنت أصبت كنزا من كنوز الأرض فاذهب به إلى الملك وأعطه منه خمسة كما أمر به رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام وينزل الله البركة فى الباقى ولا تحرم الكثير بالقليل واعلم أن إله السماء لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء فقال له تمليخا : وحق إله السماء ما أصبت كنزاً وهذه الدراهم إنما هى من ثمن كرْم بعته بالأمس فى هذه المدينة سألك بالله العظيم أرَجع دقيوس من عبده أم لا؟ فقال له الخباز : والله ما سمعت أحدا يذكر دقيوس إلا أنت ولا أظنه إلا من أسماء الجن وأنكر الناس الدرهمين ووصل الخبر إلى الملك وقال الملك : أين صاحبها فجئ بتمليخا إلأيه فقال له : إن أصبت كنزا فأعطنى منه الخمس الذى هو حق الله تعالى كما أمر به عيسى بن مريم عليه السلام فقال له تملخيا : ألست بالكافر دقيوس وحق إله السماء ما أصبت كنزاً وهذه الدراهم إنما هى من ثمن كرم بعته بالأمس وخرجت أنا واصحابى هاربين بديننا إلى إله السماء وخليتك فى عيدك يا عدو الله ألست وزيك تمليخا فقال له الملك : وكان شبيها بدقيوس : أنا مؤمن ولست بدقيوس لا تحلق بالله كان يا ليتنى خرجت من هذه المدينة؟ فقال له : بالأمس فقال : هل تركت فيها دارا وأولادا فقال : نعم ولى فى الدار علامات فقال له : ملا علاماتك؟ فقال : فيها مجلس من الرخام وعلى بابها سرية من الرخام الأبيض ولى تحتها كنز من الدراهم فقال له الملك : إن كان الحق ما تقول فأرنا دارك فقال له : سر أنت ومن معك من أهل المدنية فسار تمليخا والناس خلفه كالجراد المتشر فأنكر الطرق وتغيرت عليه وتحيَّر ونظر نظرة إلى السماء وقال : يا غياث المستغيثين سألتك باسم العظيم أن تبعث لى رجلا من جيرانى يجمع بينى وبين دارى فإنى لا أعرفها ولا تفضحنى على رءوس الخلائق يا من لا يخلف المعياد فلم يزل يدعو الملائكة يؤمِّنون على دعائه فأمر الله جبريل أن اهبط لبعدى تمليخا فى صفة رجل من جيرانه فنزل فقال : الله أكبر هذا جرى فلان دلنى على دارى فدله عليها فقال : الله أكبر هذه دارى وحق إله السماء فحمد الله وأثنى عليه وصعد جبريل إلى السماء ودنا تمليخا من الباب فقرع الباب فأجابه شيخ كبير عليه جبة صوف قد انحنى ظهره من الكِبَر فقال له : السلام عليك يا شيخ ما الذى أدخلك دارى؟ فقال له الشيخ : وحق إله السماء ما هذه الدار إلا دارى ورثتها عن أبى وأبى عن جدى فقال له تمليخا : كذبت يا شيخ الدار دارى وأنا بنيتها ولى فيها علامات فقال له : ما علامتك؟ فقال : إن فيها مجلساً من الرخام الأحمر وفى بابه سارية من الرخام الأسود وتحت السارية لوح من الرخام الأبيض وتحته دهليز من الفضة البيضاء فلما سمع الشيخ الأمارة قال لأهله : ناولينى الكتاب الذى فى التابوت فأخرجت إليه الكتاب وفيه سطور مكتوبة بالذهب الأحمر فيه صفة أهل الكهف وقصتهم فلم يزل الشيخ ينظر فى الكتاب وينظر فى وجه تمليخا وعيناه تذرف بالدموع فلم يزل يقرأ ويبكى حتى بلغت دموعه الأرض فقال له تمليخا : ما يبكيك شيخ؟ فقال الشيخ : أنت تمليخا؟ فقال له : نعم .

٣٬٤٥٩ / ٧٬٦٨٠