باب: في فضل الصحابة هل يمنع من البراءة من المحدثين منهم بحكم الظاهر؟
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩<249> ببيان المعاني في التي لا مخرج لهذا الاعتراض منها، ولا محيد لسائل عنها، فنأخذ الآن في ذكر الآيات وبيان أحكامها، عَلَى اختلاف تراتيبها ونظامها، زيادةً في كشف الحقِّ، وإظهار الصدق.
باب: في فضل الصحابة هل يمنع (1) من البراءة من المحدثين منهم بحكم الظاهر؟
أَمَّا قوله: كيف ساغت البراءة من بعض الصحابة وهم حجَّة الله؟
الجواب: إِنَّ البراءة مِنَّا ساغت من أحد منهم فيما هو فيه حجَّة، وَإِنَّمَا ساغت وجازت ولزمت فيما فارق فيه الحجَّة؛ لأَنَّ الصحابة لا يخلون أن يكونوا فيما اختلفوا فيه جميعا محقِّين أو يكونوا جميعا مبطلين، أو يكون بعضهم محقًّا وَبَعضهم مبطلا مخطئا مفارقا لحجَّة الله.
- فحاش لهم أن يكونوا جميعا فيما اختلفوا فيه مبطلين؛ لأَنَّ أرض الله لا تخلو من حجَّة ظاهرة قاطعة عذر من سمعها من الأُمَّة أو بلغته فيما يكون فيه حجَّة. وإذا كانوا جميعا مخطئين فمن المحقُّ؟.
- ومحال أن يكونوا جميعا محقِّين؛ لأَنَّ حجَّة العقل شاهدة عَلَى كُلِّ متديِّن أَنَّ مخالف الحقِّ مبطل، فالمخطئون لبعضهم بَعْضًا لا محالة أَنَّ أحدهما مخطئ؛ فإذا صَحَّ أَنَّ بعض الصحابة مخطئ في بعض الأحكام، استحقَّ البراءة بحكم الظاهر، كما يستَحقُّ الولاية بالموافقة لدين الله في القول والعمل في حكم الظاهر. وَكُلُّ من فارق حجَّة الله وخرج عنها فهو أهل للبراءة، ولا ينفعه قيامه بحجَّة الله في ألف حكم مع خروجه عنها ومفارقته لها في واحد، هَذَا ما لا ينكره عاقل، ولا يطيش معه متثاقل؛ لأَنَّ الولاية والبراءة وجبتا بالأقوال والأفعال لا بالأشخاص، فليس كُلُّ قائم بحجَّة الله محكوما له بالسعادة، ولا قائم بحقٍّ أو مسارع إلى فضل الله مقطوعا له بالعصمة، بل الرواية إِنَّكُم لا تعجلوا عَلَى أحد بمدح ولا ذمٍّ، فرُبَّ من يسرُّكم اليوم يسوءكم غدًا، ورُبَّ من يسوءكم اليوم يسرُّكم غدًا. وَهَذَا يخرج في حكم الظاهر في مواضع الاسترابة وحيث تجب الاستبانة، ويخرج في ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، فلا حجَّة هاهنا في إيجاب ولاية الحقيقة لأجل القيام بحجج الله فافهمه.
وَأَمَّا قوله: لمشاهدتهم التنزيل، فمشاهدة التنزيل لا توجب سعادة ولا رحمة، ولا يقضي لحاضر برضوان ولا عصمة، وَإِنَّمَا تجب العصمة بموافقة التنزيل سرًّا وعلانية، فكم قد شاهد التنزيل من المشركين والمنافقين فما ازدادوا بِذَلِكَ إِلاَّ تمرُّدا ونفورا واستكبارا في الأَرض. قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الاَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنَ اَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ … ﴾ الآية [سورة التوبة: 101]، وقال تَعَالىَ: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمُ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [سورة التوبة: 124 - 125]، فبطل الاعتراض بهذا المعنى، وَصَحَّ أَنَّ مشاهدة التنزيل لا توجب سعادة ولا رحمة، ولا يقضي برضوان ولا عصمة، فاعرفه، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: فبم فضَّلتم الأولياء منهم عَلَى غيرهم من سائر أولياء الأُمَّة؟
قلنا: باب التفضيل في الدرجات غير الموجبات
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «فاعل "يمنع" راجع إلى قوله: "فضل الصحابة"».