فصل فنقتصر من الكلام في هَذِهِ الآيات على معنيين
الجزء ١ · صفحة ٢٥١<251> منهم بالأهواء.
والعجب كيف يستَحقُّ بعض الناس ولاية الحقيقة بالقياس عَلَى الجهل ولا يعتبر من أموره في قول ولا عمل؟! إِنَّهَا لإحدى الكُبر، وأعجوبة من أعجب العبر. شرح الله صدورنا لِلْحَقِّ وإسماعه وقبوله من أهله، [و] في القول به واصطناعه [كذا].
باب: القول في الآيات الْمُتَقَدِّم ذكرها في السؤال عَلَى الجملة
وَأَمَّا الآيات التي ذكرها وعارض بها في سؤاله وصدرها فقد قَدَّمنا من في [كذا] بيان نظائرها في حكم النصوص، وشرح جملة يأتي عَلَيْهَا في العموم والخصوص والخطاب بالجملة والإفراد ما يغني عن الحاجة إلى شرح معانيها، وإيضاح اختلاف وضعها ومبانيها. فَإِنَّ من تحقَّق أَنَّ ولاية الحقيقة لا تَصِحُّ إِلاَّ بالتوقيف دون الاجتهاد؛ لأَنَّهَا أخبار غيب، وتحقَّق أَنَّ هَؤُلاَءِ المحدثين من الصحابة لم تَصِحَّ لهم ولاية الحقيقة بالتوقيف بل بالاجتهاد، ولاحتمال الآيات التي نصَّت عَلَى جمل تشتمل عَلَى مثل صفاتهم التي صَحَّت لهم في الظاهر للمعاني المختلفة في الخصوص والعموم وغير ذَلِكَ مِمَّا سنذكره إن شاء الله، تَبَيَّنَ له بطلان معارضته، واتَّضح له فساد مناقضته، ولزمه الحكم بالظاهر، لَكِنَّا لإيثارِنا رَفْعَ الريب من صدور المسلمين، واجتهادنا في الشكِّ المعترض للمتَّقين، لاَ بُدَّ أن نأتي بزيادة دلائل، وبيان استفادة تقتضي الإخبار عن معاني الآيات المذكورة، واختلاف تفاسيرها المشهورة، والله المسدِّد والمعين.
فصل
فنقتصر من الكلام في هَذِهِ الآيات على معنيين: أحدهما القول فيها جملة. والآخر القول في كُلِّ آية عَلَى انفراد.
أَمَّا عَلَى الجملة فنقول: لا تخلو أن تكون المعارضة في هَذِهِ مبنيَّة عَلَى مجموع أَدِلَّة هَذِهِ الآيات عَلَى معنى واحد، أو كُلُّ آية تَدُلُّ عَلَى معنى، وتلك المعاني موجودة في هَؤُلاَءِ المهاجرين والأنصار، فَلاَ بُدَّ أن يَدُلَّ أحدهما عَلَى صِحَّة ما ذكره، فإن كان أراد الاستدلال بجملتها فَذَلِكَ يختلُّ، لاختلاف معانيها، فَإِنَّ فيها المقيَّد بالفقراء، وفيها المقيَّد بالسابقين الأَوَّلِينَ، وفيها المقيَّد بالذين اتَّبعُوه في ساعة العسرة، وفيها المطلق، وما أشبه هَذَا من اختلاف معاني موجباتها. فإن كان أراد أَنَّ كُلَّ آية تَدُلُّ عَلَى معنى، وَهَذِهِ المعاني تختصُّ بهذا القبيل الذين هم المهاجرون والأنصار فلا يخلو أَيضًا أن يكون إِنَّمَا عارض بجميع هَذِهِ المعاني الموجود جملتها فيهم، أو يقول: لاَ بُدَّ أن يَدُلَّ بعضها عَلَيْهِم، فإن أرادها جملة فمتى بطل أحدها من بعضهم بطلت المعارضة، لأَنَّهُ زعم أَنَّ الخطاب بالمهاجرين والأنصار عموم عَلَى الحقيقة؛ فَذَلِكَ أوجب لِكُلِّ مُعَيَّن منهم ولاية الحقيقة، فإذا اخْتَصَّ الخطاب المقيَّد مثلا بالفقراء والسابقين بطل غيرهم، وسقطت المعارضة.
فإن قال: لا يَدُلُّ أحدهما عَلَيْهِ، قلنا: اعتمد عَلَى أيِّها شئت، وقلْ: هَذَا عَلَى الحقيقة دون سواه، وَإِلاَّ فأنت شاكٌّ، والشكُّ في الحقيقة لا يرفع موجب الظاهر، والبراءة بحكم الظاهر