فصل [لو كان العامُّ قطعيًّا لَمَا صحَّ تخصيصه]
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣<253> في سريرته أو غير عادل. فَهَذَا ومثله يجوز ويلزم التقليد فيه، كان المقلِّد صادقا أو كاذبا.
- والموضع الثاني: تقليد الضعفاء للعلماء فيما خرج عن أحكام الشرع مخرج الرأي والاجتهاد، ففي هَذَا الموضع يسوغ للضعفاء تقليد العلماء؛ لأَنَّهُم حجَّة في باب الاجتهاد، وهم به أعرف، وبعدله أبصر، ولكن لا يكون العلماء هاهنا حجَّة في هَذَا الباب إلا بموافقة الحقِّ، فما أصابوا قولا من رأي المسمين فهم سالمون، وهم حجَّة، وإن خرجوا من أقاويل أهل القبلة دخلوا في مخالفة الأُمَّة، وخرج الحكم دينا، ولا يجوز التقليد في الدين؛ لظهور قيام أَدِلَّة الدين من الكِتَاب وَالسُّنَّة والإجماع، والله أعلم.
فصل [لو كان العامُّ قطعيًّا لَمَا صحَّ تخصيصه]
ثُمَّ إِنَّ الخطاب في الجملة بلفظ الجماعة لمعلومين أو مبهمين، لو كان ظاهره قاطعا بالعموم لَمَا استقام أن يقال حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، فَإِنَّ العموم عَلَى الحقيقة لا يُخَصُّ؛ لأَنَّ المحكم لا ينتقض معناه، ولا يَتَغَيَّرُ فحواه.
ولو كان الظاهر قاضيا بالعموم عَلَى الحقيقة لكان لا يَصِحُّ تخصيصه إِلاَّ مُتَّصِلاً بالخطاب، فيرجع إلى الاستثناء، فإن خصَّه بعد انقطاع الخطاب كان ناقضا لخطابه، ودخل عَلَيْهِ الكذب، ولو كان قول الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ﴾ [سورة التوبة: 100]، وقوله في التعيين: «فلان وفلان» سواء معناهما واحد، لكان من قال: السابقون قد رضيت عنهم، أو المهاجرين [كذا] أو الأنصار قد رضيت عنهم، فقد أخبر أَنَّهُ رضي عن فلان وفلان وفلان قطعا وجب القطع، ثُمَّ لا يلتفت إلى طلب خصوص من عموم، ولكان كُلُّ من ادَّعَى عَلَى [كذا] التخصيص قد وصف المخاطِب بالخطأ والكذب؛ لأَنَّهُ قد قال - بزعم المعارض - إِنَّهُ قد رضي عنهم جميعا، ثُمَّ قال إِنَّهُ إِنَّمَا رضي عن بعضهم، فَهَذَا قد أدخل عَلَيْهِ الخطأ والكذب، بل ظاهر الخطاب في الجملة محتمل العموم والخصوص، وما احتمل معنيين ضاق القطع بأحدهما.
فإن قال قائل: أليس قد جاء في القرآن مثل ذَلِكَ مِمَّا حُكم له بالعموم إلى أن دَلَّ عَلَيْهِ ما خصَّه، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: 5]، فقد أجروا هَذَا عَلَى العموم إِلاَّ أهل الكِتَاب من اليهود والنصارى والمجوس بِنَصٍّ آخر، فلم يكن ذَلِكَ تكذيبا لقوله؟.
قيل له: ليس حكم الأمر والنهي في الأحكام كحكم الإخبار عن الغيوب، بل الأحكام التي تُعبِّدنا بها وجب علينا استعمال عمومها، لنكون عَلَى يقين من امتثال الأمر. وَأَمَّا الأخبار فلم نكلَّف فيها ذَلِكَ؛ لأَنَّهَا لا يدخلها النسخ، والأحكام يدخلها النسخ؛ ففي الحكمة أَنَّ الله تَعَالىَ أن يقول لعباده: اقتلوا المشركين، وليجاهد كُلُّ رجل منكم عشرة منهم؛ ثُمَّ يقول بعد ذَلِكَ: لا تقتلوا أهل الذِّمَّة إذا أعطوا الجزية، وليجاهد كُلُّ رجل منكم رجلين منهم، ليس عَلَيْهِ أكثر من ذَلِكَ. وليس في الحكمة أن يقول: قد رضيت عن جميع المهاجرين والأنصار، ثُمَّ يقول: إِنَّمَا رضيت عن بعضهم؛ فَهَذَا يتنافى في صفة [الله]، ويشهد العقل بفساده.
فإن قال: ما تنكر أن يكون قد رضي عن