قضية الخلود أو عدمه
الجزء ١ · صفحة ٧٢٦إن مثل هذا يعتبر ضربا من الاستخفاف بالدين ودفعا للناس الى إشباع الشهوات بالمحرمات وهذا ما سنحاول تحليله في البعد الحضاري للقضية.
بعد حرصنا على استيفاء حجج الإباضية في هذه القضية مع مقارنتها بحجج غيرهم من الفرق القائلة بخلف الوعيد وبالخروج من النار نرى من الضروري- كما لمحنا الى ذلك مرات أثناء التحليل- أن نبين البعد الحضاري لهذه المواقف في الأوساط الإباضية في المستوى النظري والمستوى العملي.
المستوى النظري:
أما في المستوى النظري فقد بينا أثناء عرض حججهم أنهم يلحون على عظمة الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء، وبالتالي فثوابه ليس يشبهه ثواب وكذلك عقابه لا يشابهه عقاب، وفي ذلك يقول صاحب المنهج ما يلي: " والحكمة من خلود أهل النار أن العاصي إذا عصى الله فقد عصى ربا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، ولأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ، ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا يزول ولا ينقطع فلو كان لثوابه وعقابه نهاية وحدا ينتهي إليه ثم ينقطع لأشبهه ثواب المخلوقين وعقابهم" (22) .
كما وقع الإلحاح على أن القول بخلف الوعيد ينتج عنه فقدان الأوامر والنواهي قيمتها في النصوص الشرعية ذلك لأن من يعتقد إمكانية الخلاص في النهاية فلا سبيل الى أن يرتدع أمام الزواجر وتصير النواهي عنده غير مختلفة عن الأوامر.
المستوى العلمي:
إن القائلين بإخلاف الوعيد وبعدم الخلود يمكن أن يتلخص تبرير موقفهم في قول يحيى بن معاذ الرازي (23) :" إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة. إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان. فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو" (24) .