البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

قضية الخلود أو عدمه

الجزء ١ · صفحة ٧٢٧

فواضح أن يحيى بن معاذ انطلق من معادلة بين طرفين متناقضين دون أن ينبه إلى الفارق الأساسي بين هذين الطرفين ويتمثل في الأول الذي جاء تائبا بحق وقد عاجلته المنية، ومعلوم أن الإسلام يجب ما قبله بينما الطرف الثاني فإنه قد انحرف عن التوحيد واستمرأ المعصية، ولم يبادر الى التوبة حال عصيانه وقد عاجلته المنية وهو بعيد عن الإيمان إذ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.

فتبرير يحيى بن معاذ وإن بدا مقنعا في اللحظة الأولى فإن المتأمل بين فساده.

وأما التبرير الثاني أقيم على المعادلة بين الإيمان والكفر وبما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة فالعدل يقتضي أن لا تضر مع الإيمان معصية معنى ذلك أن الإيمان مطية للمعاصي لا للطاعات واجتناب المعاصي. ويحيى بن معاذ نفسه لما أحس بأن في المعادلتين كلاما ختم بالاستناد الى رجاء العفو،وهذا باب فيه نظر.

صحيح أن الله تعالى عفو- يحب العفو- لكنه بين في القرآن الكريم شروط العفو والغفران. ولا ينبغي أن ينقلب الاتكال على العفو سبيلا من سبل انتهاك حرمات الله تعالى، وهذا ما استند إليه أهل الكتاب الى جانب تعويلهم على انهم شعب الله المختار وقد رد عليهم القرآن الكريم بشدة، وبين أن قولهم بعدم الخلود من باب الأماني التي يستحيل أن تتحقق.

ويقول ابن عاشور في هذا الصدد:" ووجه المناسبة أن قولهم لن تمسنا النار دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة أو غيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياما معدودة تعادل أيام عبادة العجل، أو أياما عن كل ألف سنة من العالم اليوم وأن ذلك عذاب مكتوب على جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك" (25) .

واضح من خلال هذا النص أن اعتقاد عدم الخلود غرور عظيم يجعل الإنسان لا يتوقى الإقدام على المعاصي مهما كانت.

٧٢٧ / ٧٤٦