63- تفسير آيات الدعاء تضرعا وخيفة وآدابه والتعدي في الدعاء
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤وقد علمت أن أناسا من الناس يرون أن الشكر أن يقال : الحمد لله على ما رزقنا ، وأنعم علينا ، ويعلم أنه من الله ، وإن ذلك لحسن ، ولكنا نجد اليهود والنصارى يقولون : الحمد لله على ما رزقنا ، ويعلمون أنه من الله ، وهم في ذلك كفار لأنعم الله
وذلك إنكار النعمة بعد معرفتها ، وقد علم أنه من الله ، ثم كان إنكاره في نعمة الله اجتراء على معصيته ، وإصراره عليها ، ولكن حقيقة الشكر أن تجتنب سخط من أنعم عليك ، وتتبع مرضاته ، شكراً لما أنعم الله عليك ، فذلك الشكر الذي يجزي الله به ثواب الشاكرين . فاجتنب الخطايا ، واعلم أن الصالحين فيها رجلان :
رجل : لم يعمل المعصية تحرجاً ، وفي نسخة : رجل يتقيها حرجاً ، فيتركها من خشية الله ، ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى ، والآخر : أبغض المعصية لله بغضاً ويتركها .
وأحدهما أفضل من الآخر ، فالذي امتحن الله قلبه حتى أبغض ما نهى الله عنه ثم اجتنبه ، أفضل ممن يحبه ثم يتركه .
ذلك أن حب الخطيئة خالط قلبه ، وحب الخطيئة مرض يكون في القلب ، وأن الآخر لم يخالط له قلباً ، ولا عملاً من جميع الذنوب ، وكلاهما مُحسن ، ولكن يتفاضل من امتحن الله قلبه ، من حب طاعته وذكر الله كثيراً ، واستكثر من الدعاء ، ثم عمل بها ، فهو أفضل من الآخر ، والآخر إنما يكره نفسه عليها إكراها .
ولو كان لك خادمان هما كذلك ، كان أحبهما إليك الذي يحب طاعتك وعملك بقلبه .
ورأيت الذي يحب غير عملك هو أشهى إليه من عملك ، وأحب إليه منه إنما ذلك من سره في صدره .
والمؤمنون كذلك وصفهم الله فقال :
( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) يعني : الخشوع .
( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ ) .
/