تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

95

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٩

﴿ إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾ شاقهما بالإِنبات ، فهو الذى يستحق العبادة لا مالا يفعل ذلك ، وهذا أَيضاً دليل للبعث ، والحب مالا نواة له كالبر والشعير والبصل والثوم . والنوى كنوى التمر ونوى الزيتون ونوى الخوخ ، يشق ذلك عن النبات ، وليس المراد أَنه جاعل الشق فى حب البر وفى نوى التمر ، كما قيل إِن الأَول أَقيد وأَدل على البعث ، إِلا أَن يراد جاعل الشق فيهما للنبات فيرجع إِلى ما ذكر ، إِلا أَن نواة الثمر ينبت الورقة من نقيرها لا من شقها ، فنقول شقها نقيرها وشق نواة الخوخ والمشمش من الجهة التى هى كالمتلاصقين ومنها النبات ، وإِذا أَطلق النوى فنوى التمر فالأَولى ما ينبته ، وإِذ أُريد غيره قيد فقيل مثلا نوى الخوخ ، وقدم الحب لأَنه كثير المنافع وأَصل الأَغذية ، والحب ما يقصد بالذات كالبر والشعير والحمص ، والنوى ما ليس كذلك ، فظاهره أَن بذر البصل والثوم والقثاء والجزر واللفت ونحوه يسمى نوى ولا يعهد ذلك ويقال فالق بمعنى خالق ، وهو مروى عن ابن عباس والضحاك . وفالق للماضى أَى هو الذى فلق ما رأَيتم من الحب والنوى عن النبات ، أَو للاستمرار ﴿ يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ الحى ما ينمو من الحيوان والنبات ، ومنه المرجان والأَحجار التى تنمو ، والميت مالا ينمو كالنطفة والبيضة والحبة والنواة ، ويخرج منه ما ينمو كورق الحبة والنواة ، وما يتولد من النطفة والبيضة والماء . وفى جمع بين الحقيقة والمجاز ، ويتلخص عن ذلك بدعوى عموم المجاز ، بأَن يراد مطلق ما ينمو ومالا ينمو ، أَو الحى الحيوان والميت ما يتولد الحيوان منه كالنطفة والبيضة والماء ، أَو الحى الحيوان والميت ما مات بعد حياة ، وبحث فى هذا بأَن الجملة بيان لفلق الحب والنوى ولذلك لم تعطف ، وهى فى الوجه الأَخير لا تصلح بياناً له ، وقوله ﴿ وَمُخْرِجُ الميِّتِ مِنَ الحَىِّ ﴾ فإِنه لا يصلح بياناً له فعطف على فالق لا على يخرج الذى هو بيان كما هو قول مشهور ، وذلك بأَن نؤول مخرج بيخرج على أَن يخرج مستأَنف ، أَو نؤول يخرج بمخرج على أَن يخرج الحى خبر ثانلإِن ، والميت النطفة والبيضة والحى ما يتولد منهما ، ولا يقال يتعين العطف على يخرج بدليل قوله تعالى فى الآية الأُخرى ﴿ يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ﴾ لأَنا نقول : الآية الأُخرى لا مانع فيها من العطف ، إِذ ليست بيناً لما قبله ، وعلى كل حال كان يخرج الحى بصيغة الفعل المضارع ليكون أَدل على التكرار المشاهد المستحضر ، وقدم إِخراج الحى لأَنه أَعظم فى القدرة ولأَنه أَنسب بالستدلال على البعث ، ولأَن فائدته أَزيد ، ولأَنه أَسبق ، ولأَن الاعتناءَ به أَكثر ، وذلك أَنسب بالمقام من قولك : المراد المسلم من الكافر كإبراهيم من آزر والكافر من المؤمن كولد نوح الآوى إِلى الجبل ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ اسم إِشارة يعود إِلى الله ، كما جاءَ فيه لفظ ذلك فى قوله تعالى

٩٩٩ / ٦٬٠٩٣