98
الجزء ٣ · صفحة ٤﴿ وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَكُمْ ﴾ خلقكم . قال هنا أَنشأَ بخلاف بقية السور ليس فيها لفظ أَنشأَكم ليوافق قوله بعد ﴿ وهو الذى أَنشأَ جنات ﴾ والكل فى الإِيجاد بعد العدم للدلالة على البعث ، وقد وافق قوله قبل ﴿ وأَنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ فينبغى أَن يقال كلاهما لموافقة أَنشأَ جنات ، إِذ هن فى سورة واحدة نزلت بمرة ، أَو للتفنن ، أَو لاعتبار مفهوم الخلق تارة وهو قطع الشئِ وفرضه ، ومفهوم أَنشأَنا تارة وهو الإِبداع ، والخطاب لبنى آدم كلهم ، أَو من وجد وقت النزول ومن وجد بعده ﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة ﴾ آدم ومنه خلقت حواء من ضلعه ، وعيسى إِذ هو من مريم ومن ذريته ، ويأجوج ومأجوج ، وإِذا كنتم من نفس واحدة فلم يتعاظم بعض على بعض ، ولم لا تكونون فى المعاونة على الخير كواحد ، ولم يظلم بعضكم بعضاً وكأَنه ظلم نفسه ، والرجوع إِلى أَصل واحد أَقرب إِلى التواد ، وقد اجتمعنا أَيضا فى نوح . وجمهور العرب فى إسماعيل وإِبراهيم ، وأَهل التوحيد على اختلاف المذاهب فى دين الإِسلام ، والنبى محمد A ، ومع كونهم من نفس واحدة اختلفت أَجسامكم فى الأَلوان والخصال والأَحوال وذلك لكمال قدرته تعالى ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ مصدران ، أَى فلكم استقرار واستيداع ، أَو اسما مكان أَى موضع استقرار وموضع استيداع ، أَو اسما زمان أَى مدة استقرار ومدة استيداع ، والاستقرار فى الأَصلاب والاستيداع فى الأَرحام ، أَو الاستقرار فى الأَرحام والاستيداع فى القبور ، أَو الاستقرار فى الأَرض والاستيداع وفى بعض ذلك والاستيداع فى القبور ، وناسب الاستقرار الصلب والاستيداع الرحم لأن النطفة فى الرحم بفعل الأَب فكأَنه استودعها ولا استيداع له فى الصلب ، والله يستودع كل ما يشاء لما شاءَ ، قلت : أَخرج الله ذرية آدم منه وردها فيه ، ولا بأس من تسمية هذا الرد استيداعا ، فالصلب مستودع . ويناسب الاستقرار فى الأَرحام قوله تعالى : ﴿ ونقر فى الأَرحام ﴾ ويناسب الاستقرار فى الأَرض قوله تعالى ﴿ ولكم فى الأَرض مستقر ﴾ والإِنسان وديعة فى القبر يخرج منه تارة أُخى ، وصلب الأَب مستقر للنطفة وقدم على الاستيداع لتقدمها فى الصلب على وقوعها فى الرحم إِما على أَن الولد من نطفة الأَب فقط وهو ضعيف فواضح ، وإِما على أَنه منها ومن نطفة الأم ففيه أَن نطفة الأم فى الترائب متقدمة على الرحم فيجاب بأَن نطفته أَعظم وعمدة ، وأبى بن كعب فسر الآية بالاستقرار بالأَصلاب وبالاستيداع فى الأَرحام ، وأَكثر الروايات عن ابن عباس كما أَجاب به خبر تيماء إِذ سأَله أَن المستقر الرحم والمستودع الصلب لقوله تعالى ﴿ ونقر فى الأَرحام ﴾ وعن الحسن : أَنت وديعة فى أَهلك ويوشك أَن تلحق بصاحبك ، وقال لبيد :