تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

93

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٦

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ استفهام إِنكار أَى لا أَظلم لنفسه وللخلق ولدين الله ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً ﴾ مفعول به لافترى ، أَى اختلق كذباً وأَنشأَه ، ويضعف كونه مفعولا مطلقاً ، وكونه حالا مؤكدة ، أَى ذا كذب أَو لأَن الافتراءَ أَخص من الكذب ، فليس كقولك قمت وقوفاً ، أَو قمت واقفاً ، ولا يتبادر المعنى هنا بالنصب على التعليل . وافتراء الكذب أَن يقول : أَنا نبى ، أَو أَنا رسول من الله ، أَو ذلك ودعوى الولد والشريك ، أَو ما أَنزل الله على بشر من شئ ، ﴿ أَو قَالَ أُوحِىَ ﴾ أَى أَوحى الوحى ، أَى ما من شأْنه أَن يوحى ، أَو النائب هو قوله ﴿ إِلىَّ ﴾ وهو أَولى لأَن الأَول يشير إِليه لفظ أوحى مع أَنه معمول لأَوحى ، ولا يتكرر قوله أوحى إِلىَّ مع قوله افترى على الله كذباً لاختلاف التلفظ ، إِذ افتراء التلفظ أَن يقول : أَنا نبى أَو رسول وهو غير لفظ أَوحى إِلىَّ ، وأَولى من ذلك أَن يقال : افترى على الله كذباً بمعنى أَرسل لله فلاناً أَو نباه وليس كذلك وغير ذلك ، وذلك كمسيلمة وسجاح امرأَته والأَسود العنسى ، فهم قالوا : أَنا نبى ، وأَقوامهم قالوا كذباً عليهم أَن هؤلاء أَنبياء ، وذلك على عهد رسول الله A ، وقتلوا فى خلافة الصديق ، أَو قال أَباح الله عبادة غيره ، أَو حرم البحيرة ولا سائبة والوصيلة والحامى ونحو ذلك من الافتراء فى دين الله D ، ولا يقال : العطف تفسير أَو تفصيل لأَن ذلك لا يكون بأَو ﴿ وَلَمْ يُوحَ إِليْهِ ﴾ الهاء للمفترى ، وقيل للنبى ، والكلام مَنْ للمفترى والواو للعطف أَو للحال ﴿ شَئٌ ﴾ الجملة حال من ضمير قال ﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ ﴾ من نفسى ، ويل معناه أَنا قادر على الإِنزال ﴿ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ﴾ عطف على من كعبد الله بن سعد بن أَبى سرحن إِذ قال فتبارك الله أحسن الخالقين بعد كتابته ما قبلها ، فقال له رسول الله A : « اكتبها فإِنها نزلت كذلك » ، فارتد فقال : إِنى أوحى إِلى كما أوحى إِلى محمد ، وإِن كان محمد كاذباً فقد قلت ما يقول ، ومن لازم من أوحى إِليه فى الجملة أَن يوحى إِليه بعد أَو صرح بأَنه سيوحى إِلىَّ وأَسلم بعد ، وكان فتح أَكثر بلاد الغرب على يديه ، وككفار قريش إِقالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، على معنى لقلنا بالوحى من الله مثل ذلك ، وما قاله محمد إِلا ما سطره الأَولون من الوحى وليس موحى إِلى محمد وهم المستهزئون . ﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ يا محمد أَو يا من يصلح لأَن يرى ، أَى ولو ترى الظالمين إِذ هم فى غمرات الموت ، لكن لما حذف لزم الإِظهار وبطل الإِضمار ، فقال ﴿ إِذِ ﴾ ظرف للرؤية ﴿ الظَّالِمُونَ ﴾ المذكورون بالافتراء على الله ، والقول أوحى إِلىَّ ، والقول سأُنزل مثل ما أَنزل الله ، ويجوز كون إِذ مفعولا لترى ، أَى ولو شهدت ذلك الوقت بما فيه ﴿ فِى غَمَراتِ المَوْتِ ﴾ شداته ، وكأَنهم تغمرهم سكراته ، كما يغمر الماءَ من فيه ، وجواب لو محذوف يقدر بعد تستكبرون ، لرأَيت أَمراً فظيعاً ، ويجوز أَن لو تمنية فلا جواب لها ﴿ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيِهمْ ﴾ الجملة حال من ضمير قوله فى غمرات ، أَو عطف على الاسمية قبلها ، والمراد بسط الأَيدى بالعذاب بما قدروا عليه فى ضرب الوجوه والأَدبار بمقاطع من حديد ، أَو بسطها بعصر الأَرواح كالغريم الملح على من عليه الحق لا يؤخره لحظة ، القائل لا أفارقك حتى أَنزع حقى من كبدك وحدقتك وقلبك ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ أَرواحكم إِلينا من أَبدانكم لنقبضها ، وهذا مجاز مركب ، إِذ لا قدرة لهم على إِخراج أَرواحهم إِلى الملائكة ، وإِنما المراد الإِيذاء والتغليظ ، كما أَن المراد التحسر لا ظاهر اللفظ كما فى قوله :

٩٩٦ / ٦٬٠٩٣