تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

54

الجزء ٤ · صفحة ٢٢٥

أَخبر الله سبحانه وتعالى عنه عليه السلام أَنه استعجل قومه وهم أَقوى البشر وكثيرون ليظهر لهم عجز أَنفسهم وعجز آلهتهم عن أَن تنصر نفسها وتدفع عن عابديها ، فكيف يعبدونها ، أَو الخطاب فى كيدونى ولا تنظرون لقومه خاصة فإِذا عجزوا فكيف تنتصر آلهتهم وهى جماد . وذلك إِما مدح لهم بأَنه أَظهر الإِيمان والاستيثاق بالله الراسخين ، وإِما مدح له بأَنه عليه السلام تعرض لإِراقة دمه فى الله حُبًّا له وثقة به ، ولو قيل آمن معه آربعة آلاف لأَنه برز بهذا اللفظ وحده ولا يمنعونه من ضر لو وقع به وأَيضاً قال هذا القول قبل أَن يكون معه هؤُلاءِ ، ولما ذكر من الاستيثاق والثقة قال ﴿ إِنِّى تَوكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ تعليل جملى معنوى كأَنه قيل لا أُبالى بكيدهم ولا أَخافه لأَنى توكلت على الله ، إلخ فإِنه مالكى ومالككم فلا تقدرون على مضرتى إِن لم يقدرها وإِنى واثق بمن هو كذلك سبحانه ، واختار الماضى لأَنه أَدل على الإِنشاءِ فهو إِنشاءٌ للتوكل لا ينقطع ، والإِخبار بالإِنشاء جائِز نحو زيد هل قام ، وبرهن على ذلك بقوله ما من دابة إِلأخ ، وأَنتم من جملة الدواب فلا يفوته عقابكم على ظلمكم ولا تضرون ولا تنفعون إِلا بإِذنه D ، وقدم ربى على ربكم لأَن المقام للمحافظة على نفسه وللنعى عليهم بأَن الرب واحد وهو مقر به ، والمراد بالدابة هنا ما له روح وينتقل ولو طائِرا أَو حوتاً أُو ملكاً أَو جنا ، والأَخذ بالناصية كناية عن التملك التام ، شبه أَثر قدرته على كل شىءٍ وتصرفه له بتمكن الإِنسان من آخر بحيث لا يرده عما أَراد ، وذلك استعارة تمثيلية ، والناصية مقدم الرأْس جلد أَو مع شعر وإِطلاقه على الشعر خاصة مجاز ، وقولهم تسمية للحال باسم المحل كأَنه صريح فى أَن الناصية موضوع لجلد مقدم الرأْس خاصة ، وعلى ما ذكرت للبعض باسم الكل وياؤُه عن واو قلبت لكسر ما قبلها يقال نصوته بمعنى أَخذت بناصيته ﴿ إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ على الصواب والعدل لا يجوز بترك ظالم مصر بلا عقاب ونقص مظلوم حقه ، كمن وقف على الطريق الجادة يمنع المارة من الفساد ويمنع عنهم الضر مثل إِن ربك لبالمرصاد ، فذلك استعارة تمثيلية ، وقيل المعنى إِن مصيركم إِليه تعالى للجزاءِ بالحق .

١٬٧٢٥ / ٦٬٠٩٣