تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

16

الجزء ١٠ · صفحة ٤٤

﴿ ولقَد آتيْنا بنى إسرائيل الكتاب ﴾ المعهود لهم وهو التوراة المشتملة على الأحكام الكثيرة ، ويقال : لم يتسع لنبى فقه الأحكام ما اتسع لموسى عليه السلام ، وقلت الأحكام فى الانجيل ، وأكثر أحكام عيسى من التوراة ، وأما الزبور فأدعيه ومناجاة ، والصحف مواعظ ، ولا مانع من أن ياراد بالكتاب الجنس الشامل لذلك كله لأنها كلها لأنبياء بنى اسرائيل بمتن الله تعالى بها عليهم ، وأحكام القرآن كثير ، وباعتبار ما يستخرج منه العلماء تكون أكثر مما فى التوراة ﴿ والحُكْمٍ ﴾ القضاء بين الناس ، وكان المُلْك فيهم أو الفقه فى الدين ، أو الحكم النظرية الأصلية والعملية الفرعية ﴿ والنبوة ﴾ ما كثرت النبوة والرسالة الا فيهم ﴿ ورزقناهُم مِن الطيِّبات ﴾ أعطيناهم الرزق الطيب وأنزلنا عليهم المن والسَّلوى ﴿ وفضلناهم على العالمين ﴾ كلهم من حيث كثرة النبيين والكتب والمعجزات ، لا من كل وجه ، فان هذه الأمة أفض من حيث إن نبيها أفضل الأنبياء ، وكتابها أفضل الكتب ، تشهد بذلك أنبياء اسرائيل وكتبهم ، ومر كلام فى مثل هذه الآية ، وذلك كما قال الله D :

﴿ وآتيناهم بينات من الأمْر ﴾ قال ابن عباس : من أمر النبى A ، وعلامات مبينة لصدقه E ، ككونه يهاجر من مكة الى يثرب ، ويكون أنصاره أهلها ، والآيات الدلائل الظاهرة فى أم رالدين ، ومن بمعنى فى ، وشملت معجزات موسى عليه السلام ، وسيدنا محمد A ، وبعض شأنه ، وفسرها بعض بمعجزات سيدنا موسى عليه السلام ﴿ فَما اخْتَلفوا إلاَّ مِن بعْد ما جائهم العِلم ﴾ فى كتابهم بحقيقة الحال ، فجعلوا ما هو موجب لعدم الخلاف موجبا لرسوخ الخلاف ، ومن ذلك الباب أنهم كانوا مؤمنين برسول الله A ، فلما بعث وأنزل عليه الكتاب أنكروه ، وقل من آمن منهم ، فذلك اختلافهم ، أو المراد أنهم خالفوا على أنه لم يعتد بمن آمن لقتله ، ووجه الرسوخ قوة دلائل التوراة ، وما كفروا معها إلا رسوخ كفرهم ، فيجوز أن يكون العلم القرآن وهو أولى فى تسبب كفرهم ، أو المراد كتبهم والقرآن .

﴿ بغْياً ﴾ عدواة وحسدا لا شكا فى التوراة أو فى القرآن ، وما زالوا فى ذلك حتى رسخ الانكار فيمن بعدهم ، ولم يذعنوا فى قلوبهم وألسنتهم ، حتى كانوا مثل مشركى العرب ، ومن لا كتاب له ، والآن قل من يقول : محمد رسول العرب ، أو رسول الله من لا كتاب له وكذبوا ، بل رسول الى الناس كلهم ، قال A : « لو كان أخى موسى حيا لم يسعه إلا اتباعى » ﴿ إنَّ ربَّك يقْضى بيْنَهم ﴾ بالجزاء ﴿ يَوم القيامة فيما كانُوا فيه يَخْتلفون ﴾ من أمر الدين فيثيب المحق ، ويعاقب لامبطل كالمجسمة منهم ، ومُحرفى التوراة ، ومنكرى عيسى والانجيل ، وسيدنا محمد صلى الله عليهما وسلم ، والقرآن .

٤٬٥٤٤ / ٦٬٠٩٣