تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

14

الجزء ١٠ · صفحة ٤١

﴿ قُل ﴾ يا محمد ﴿ للَّذين آمنُوا ﴾ اغفروا للذين لا يرجون أيام الله ، ويعفوا أو يصفحوا فيما علموا منهم من شتم أو مال أو ضرب أو غير ذلك ﴿ يغفروا ﴾ مجزوم بلازم الأمر محذوفة ، أى قل لهم ليغفروا ، والمعنى قل لهم اغفروا ، أو مجزوم فى جواب قل ، ولا يصح أن يجزم جواب اغفروا المقدر ، إذ لا معنى لقولك : اغفروا يغفروا ، والقول لا ينسحب على يغفروا ، لأن يغفروا لم يدخل فى الحكاية .

﴿ للَّذين لا يرجُون أيَّام الله ﴾ أو فاته ثواب المؤمنين وفوزهم لانكارهم ذلك ، أو للرجاء بمعنى توقع السوء من الله بالانتقام منهم ، قال : يوم من أيام العرب ، أى حرب ، وذلك مجاز مرسل لعلاقة التضاد أو لعلاقة الاطلاق والتقييد ، بأن وضع الرجاء لانتظار الخير ، ثم اعتبر لمطلق الانتظار ، وأخذ من هذا المطلق انتظار الشر ، نفى الله تعالى من المشركين انتظاره لتكذيبهم به ، وهذا الشر دنيوى أو أخروى ، أو كل منهما ، ومثل ذلك يقال فى المشركين قبل الأمر بالقتال وبعده ، فلا نسخ .

وروى أن عمر رضى الله عنه شتمه مشرك من غفار بمكة ، فهم أن يبطش به ، فنزلت الآية ، فهى مكية ، وقيل : هم أن يبطش به بعد الهجرة ، لأنه قبلها لا يقدر على البطش به ، قلت لا دليل على هذا ، لأن للمسلمين فيها قدرة على الانتقام اذا كان لأمر بدنى أو مالى ، أو شتم لا لدينى يظهره ، فلو انتقم لدينى يظهره لقوة قلبه وشجاعته وهيبته فى الناس ، ولا سيما أنه قيل : شاتمه رجل من غفار ، وذلك الغفران باظهار العفو ، أو ما يدل له من حسن كلام أو عشرة أو غير ذلك ، والأمر بالغفران أم بترك الانتقام فى القلب لقصد الثواب ، وقيل : آذى المشركون المسلمين فى مكة ، وشكوا الى رسول الله A فنزلت الآية .

وروى عن ابن عباس ما يدل أن الآية مدنية ، أنه A وأصحابه نزل فى غزوة المصطلق على بئر يقال لها المريسيع ، فأرسل ابن أبى غلامه ليستقى فأبطأ فقال : ما حبسك؟ قال : غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحدا يستقى حتى ملأ قرب النبيى A ، وقرب أبى بكر رضى الله عنه ، فقال ابن أبى : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك ، فبلغ ذلك عمر رضى الله عنه ، فاشتمل على سيفه يريد التوجه اليه ، فأنز الله تعالى الآية ، وعن ميمون بن مهران : لما أنزل الله تعالى : ﴿ من ذا الذى يقرض الله قرضا حَسَناً ﴾ قال فنحاص اليهودى : احتاج رب محمد ، فسمع عمر بذلك فاشتمل سيفه وخرج ، فبعث النبى A فى طلبه حتى رده ، ونزلت الآية ، فهى مدنية .

٤٬٥٤١ / ٦٬٠٩٣