جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٧

والبعيد على الراجح، خلافا لمن قال: إنها مخصوصة بالبعيد، وإن نودي بها القريب فلتنزيله منزلة البعيد إما لسهوه وغفلته، وإما لاعتقاد البعد المعنوي بين المنادي والمنادى، ولذلك ينادى بها الله سبحانه وتعالى لأجل تنزيل المنادي نفسه منزلة البعد لضعفه وعجزه وقصوره هضما لنفسه، واعترافا بما هو متلبس به مما يبعد عن مقامات الزلفى ودرجات المقربين.

و "أي" وصلة لنداء ما دخل عليه الألف واللام، ومخاطبة الناس هنا بعد الإخبار عنهم فيما سبق، التفات كالذي تقدم شرحه في قوله تعالى: ( إياك نعبد وإياك نستعين)، والذي يحسنه هنا- بجانب النكتة العامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه- أن توصيف كل طائفة من تلك الطوائف الثلاث وبيان أحوالها وجعلها في حكم الحضور، فحسن نداؤها وتعميمها بالخطاب، مع ما ذكرته من أن أنس هذا الخطاب يجدد نشاط الصالح، ويكف من شطط المفسد.

والعبادة سبق تفسيرها في الفاتحة، واختيار لفظة الرب دون سائر أسمائه تعالى، لما في مدلوله من معنى التربية بمختلف الآلاء الظاهرة والباطنة، وفي هذا حفز للمسارعة إلى ما أمر به من العبادة، لأن الخطاب صادر من الرب والعبادة المأمور بها له، وفيه نوع تعليل للأمر؛ لأن من القواعد المعروفة أن الحكم على المشتق يؤذن بعليته، ويقوي ذلك ما ولي اسم الموصول من ذكر الخلق وما بعده، وهذا لا ينافي أن يكون الله تعالى حقيقا بالعبادة وجديرا بالطاعة المطلقة بنفس علو ذاته وكمال صفاته، مع قطع النظر عما أفاضه على عباده من صنوف النعم؛ أهمها إخراجهم من العدم إلى الوجود الذي ترتبت عليه بقية الآلاء، إذ لا مانع أن يراعى في العبادة الكمال الذاتي للمعبود، وما صدر عنه من فيض هباته للعابدين بل هذا هو المطلوب.

والخلق أصله التقدير والتهيئة يقال خلق الأديم إذا هيأه للقطع وخلق الأمر إذا قدره، ومنه قول الشاعر:

٦٧٣ / ١٬٢٢٠