( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة... قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا)31
الجزء ٣ · صفحة ٣٢( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة… قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا)31
بعد أن ذكر الله الجواب الإجمالي للملائكة وهو قوله : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) عطف عليه هذا الجواب التفصيلي ، ولم يكن جوابا قوليا فحسب بل يتضمن القول والفعل معا لأن من شأن المخلوق أن يكون ما يشاهده ويحسه أعمق أثرا في نفسه مما يسمعه ، بل المشاهدات تنزل منزلة الأدلة والحجج للمسموعات ، وهذا العطف من باب عطف المحكي التفصيلي على الحكاية الإجمالية ، وفي هذه الإجابة التفصيلية شاهد على أن حياة النوع الإنساني المستخلف في الأرض تدور على العلم ، فعليه تتوقف حركتها ونموها وتجددها ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى طبع هذه الحياة الإنسانية بطابع التطور ، والتطور هو قائم على كسب الإنسان نفسه وتصرفه ، وقد جعل الله سبحانه في طبيعة تكوين الإنسان وطبيعة الموجودات التي يتعامل معها في الأرض ما يدفعه إلى هذا التطور ، فلذلك كان بحاجة إلى معارف استنباطية يستفيدها تجاربه ، ويستلهمها من مشاهداته ، وذلك بخلاف الحياة الملكية فإنها في غنى عن ذلك كله ؛ ومن ناحية أخرى فإن الإنسان واقع بين تجاذب وتدافع مستمرين من قبل قوى وطبائع شتى في نفسه ، فهو متكون من روح وجسم ، ومنطو على عقل وقلب وغرائز وضمير، ولهذه كلها مطالب شتى ، والتنسيق بين متطلباتها يدعو إلى العلم والمعرفة حتى لا يؤدي الأمر إلى ضرر نفسي أو اجتماعي ؛ ومن ناحية ثالثة فإن الانتفاع بهذه الموجودات التي يتعامل معها الجنس البشري مشترك بين أفراد هذا الجنس ، فلذلك كانوا بحاجة ماسة إلى معرفة أجناسها وأسمائها التي تتميز بها كما أنهم بحاجة إلى معرفة خواصها حتى يكون التعامل معها سليما .
---