جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون(28) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم(29)).

الجزء ٢ · صفحة ٤٢٣

" كيف تكفرون بالله....."(الآيتان 28، 29)

( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون(28) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم(29)).

الآيتان مرتبطتان بما قبلهما ارتباطا وثيقا، وإنما جاء الكلام فيهما على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، لما في مواجهة الذين كفروا- بعد تعداد مثالبهم وتقرير كفرهم- بالتوبيخ والتقريع على ما صدر منهم من الكفر مع توفر دواعي الإيمان من أثر على نفوسهم، فإن للخطاب تأثيرا في نفس المخاطب أعمق وأبلغ من تأثير حديث الغيبة على الغائب، فلعل هذه النفوس المخاطبة تنزجر عن قبائحها وترتفع عن غيها، هذا بجانب الحكمة العامة في الالتفات وهي تجديد النشاط بتطرية الكلام، ونقله من أسلوب إلى آخر.

وذهب ابن عاشور إلى أن الخطاب هنا للناس الذين خوطبوا من قبل بقوله: ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم)، وعد الجمل من قوله: ( وبشر الذين آمنوا…)إلى قوله: ( ..الخاسرون) معترضات بين هذا الخطاب وأنكر أن يكون تناسب بين قوله هنا: ( كيف تكفرون) وقوله من قبل: ( إن الله لا يستحيي..)إلى آخره وبنى عليه إنكار تخريج هذا الخطاب على أسلوب الالتفات وإنما رأى الرابط بين الخطابين مناسبة اتحاد الغرض بعد استيفاء ما تخلل واعترض، وذكر من بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات اتحاد العلل التي قرن الله بها الأمر بعبادته في قوله: ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم…) إلى آخره، وقرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر في قوله هنا: ( كيف تكفرون بالله) حيث قال هناك: ( الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء…)(الآية) وقال هنا: ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم

٧٥٩ / ١٬٢٢٠