جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون )42

الجزء ٣ · صفحة ١٥٤

( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون )42 ( الآية : 42 - البقرة )

.

هذه الآية - بما فيها من جمل - معطوفة على مجموع ما تقدم من قوله : ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم )… الخ ، ففي الآيتين السابقتين خصوصا في قوله : ( ولا تشتروا ) تحذير من الضلال، وفي هذه تحذير من الإضلال ، والإضلال لا ينشأ إلا عن الضلال ، كما أن هدى الغير لا يكون إلا بعد هدى النفس .

واللبس الخلط بين الأشياء المتشابهة حتى يتعذر تمييز بعضها من بعض أو يتعسر ، ويتعدى بالباء واللام

وعلى ، بحسب اختلاف مقتضى الكلام ، والباء هنا للإلصاق لأنهم منهيون عن الخلط بين الحق الذي أنزله الله عليهم ، والباطل الذي استوحوه من هدى أنفسهم فأضافوه إلى المنزل ، وهذا كما يقال خلطت البر بالشعير ، والماء باللبن ؛ وذهب الفخر الرازي إلى أنها الباء الآلية المسماه بباء الاستعانة ، كالتي في قولك كتبت بالقلم ، وعليه فالمعنى لا تجعلوا الحق ملتبسا على الناس بسبب الباطل الذي تأتون به ، وهو ما يوردونه من الشبه الحائلة دون وصول حقيقة الحق إلى أفهام عوامهم ، وهذا الذي ذهب إليه الفخر جوزه الزمخشري من قبل ، وقال باحتماله كثير من المفسرين ، واستدل له الفخر بقوله تعالى : ( وجادلوا بالباطل ليد حضوا به الحق )(غافر: 5)

وكونها للإلصاق أقرب لأن متعلقها مشتق من اللبس ، وهو دال على الخلط بين شيئين أو أشياء ، بخلافها في آية الكهف فهي متعلقة فيها بما تصرف من المجادلة أولا ، وما اشتق من الإدحاض ثانيا ، والفرق بينهما وبين اللبس واضح .

والحق معروف وقد سبق الكلام فيه ، والباطل نقيضه مأخوذ من بطل إذا فنى ، ولذا قالوا إن أصدق الشعر

قول لبيد :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ....

ومشتقاته دالة على الزوال ، ومنها قولهم بطل الأمر إذا لم يكن صحيحا ، ومعناه أنه ليس له بقاء ، وكذا

تسمية

٩٢٩ / ١٬٢٢٠