مقدمة
الجزء ١ · صفحة ٣مقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وجعله إلى كل خير منهجا ومن كل شر مخرجا، أنزله كتابا معجزا بيانه، شاملا تبيانه، ساطعا برهانه، لا يرقى إلى شأوه كلام البشر، ولا تحيط بأسراره العقول والفكر، تتجلى في كل ظرف أسراره، وتسطع في كل أفق أنواره، أحمده حمد المستزيد من إفضاله، الراجي لمثبوته، المشفق من عقوبته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع كل شيء علما وأوسع كل حادث حكما، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، جمعت رسالته ما تفرق في الرسالات وخلدت معجزته دون سائر المعجزات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا هداة البشرية، ومحاة الأمية، وأساتذة العالم وبناة التاريخ.
أما بعد:
فإن شرف الإنسان بتشريف الله له، وتفضيله إياه على غيره من الكائنات الموجودة في الأرض، وبما أودع فيه من الملكات والطاقات التي تؤهله للخلافة في الأرض والسيادة في الكون، ومن المعلوم أن تكوين الإنسان تكوين عجيب، فهو يجمع بين الروح والجسم والعقل والقلب والضمير والغريزة، ولكل منها طبعه وخصائصه وضروراته ومطالبه، فضلا عن كون أفراد الجنس الإنساني متشابكة مصالحهم، متداخلة معاملاتهم، وهذا كله يستوجب أن تسيطر على حياة النوع الإنساني قوة تنظم العلاقة بين جوانب الإنسان المتنوعة في نفسه والمصالح المختلفة المشتركة بين بني جنسه، وليست هنالك قوة ترشح لهذه المهمة أعظم من العقيدة السماوية التي ينبثق منها المنهج السليم لسلوك الإنسان في حياته، لأجل ذلك أرسل الله رسله مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق"ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة" (الأنفال/42) وقد توالت مواكب جميع المرسلين حاملة إلى الخلق هداية الحق مشتملة- بجانب قضايا العقيدة- على حلول للمشاكل الخاصة التي تنوء بأثقالها المجتمعات التي تنزلت فيها تلك