جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون )45,46

الجزء ٣ · صفحة ١٩١

(واستعينوا بالصبر والصلاة....وأنهم إليه راجعون )

( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون )45،46


في هذا الخطاب عود على الأمر بعدما ولى الأوامر السابقة ذلك التأنيب اللاذع على أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم وهو أسلوب عجيب في التربية النفسية إذ في هذا الأمر ما يشعرهم أنهم مظنة الطاعة والامتثال، وإن صدر ما صدر منهم من المعايب التي كانت منشأ ما لحقهم من الإنكار والتقريع.

ولم يخرج الخطاب عن مواجهة بني إسرائيل وإن قال من قال: إنه هنا للمسلمين وهو القول الذي صدره قطب الأئمة - رحمه الله - في التيسير(2) . ومنشؤه توهم قائليه أن الأمر بالصبر والصلاة يتنافى مع الحالة التي كان عليها بنو إسرائيل إذ لا فائدة لهم مما أُمروا به مع إصرارهم على عدم الإيمان بنبوة النبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد أنكر أكثر المفسرين-كالفخر الرازي في المتقدمين، وابن عاشور في المتأخرين-هذا القول لما يلزمه من تفكيك النظم الشريف، واستند ابن عاشور أيضا في إنكاره إلى أن وجود حرف العطف ينادي على خلافه، وأن قوله: ( إلا على الخاشعين )، مراد به إلا على المؤمنين حسبما بينه قوله: ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم )الآية، اللهم إلا أن يكون من الإظهار في مقام الإضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود الداعي، وأتبع ذلك قوله: والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من لم يكن قد آمن بعد، وأي عجب في هذا وقريب منه آنفا قوله تعالى: ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين )خطابا لبني إسرائيل لا محالة )(3) .

وقد صدق وأجاد الإمام ابن عاشور في نفيه العجب عن كون هذا الخطاب لبني إسرائيل، وإنما العجب من التعامي عما دلت عليه الآيتان وغيرهما

٩٦٦ / ١٬٢٢٠